صدرت الطبعة الثانية من كتاب “إسلام بلا خوف- مصر والإسلاميون الجدد” عن المركز العربي للدراسات السياسية بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 2009م، ومؤلف هذا الكتاب هو أ. د. ريموند ويليام بيكر- أستاذ العلوم السياسية بكلية ترينيتي الأمريكية، وترجمت الكتاب د. منار الشوربجي- أستاذ العلوم السياسية المشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.
ومما جاء في تقديم المترجمة:
ربطتني بهذا الكتاب علاقة وثيقة امتدت سنوات طويلة كانت آخر مراحلها هي تلك التي قمت فيها بترجمته. فحين طلب مني المؤلف ترجمة كتابه إلى اللغة العربية، وافقت لأسباب متعددة كان أهمها تقديري البالغ لقيمة الكتاب، وكان من بينها بالقطع تلك العلاقة الطويلة التي ربطتني بالكتاب نفسه وبمؤلفه.
وأهمية الكتاب ترجع إلى موضوعه وأطروحته، بل ومغزى صدوره في لحظة تاريخية بعينها. أما الموضوع، فهو يدور حول واحدة من أهم المدارس الفكرية في مصر المعاصرة، مدرسة الإسلاميين الجدد، التي أحيت تيار الوسطية الإسلامي، وامتد تأثيرها إلى ما وراء الحدود المصرية.
وفي أطروحة الكتاب، وضع المؤلف يده على جانب مهم أغفله الكثيرون ممن تعرضوا بالدراسة والتحليل للفكر الإسلامي المعاصر، خصوصًا أولئك الذين عنوا بدراسة دور بعض الرموز الفكرية التي يتناولها هذا الكتاب. فكثيرة هي الكتابات التي تناولت فكر أحد هؤلاء الرموز أو بعضهم مثل الشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي. ولكن تندر الدراسات التي تعاملت مع كل هؤلاء الرموز كمجموعة ذات خصائص متميزة ثم اهتمت بإسهامهم الجماعي. ومن ثم فإن الجديد الذي قدمه ريموند بيكر هو أن كتابه يقدم أطروحة واضحة تعتبر هؤلاء الرموز جميعًا مدرسة فكرية واحدة. وهي الأطروحة التي سعى الكتاب من خلال فصوله المختلفة أن يشرحها ويثبتها.
فالمدرسة معناها عنده أن هناك مشروعًا فكريًا تتولى رموزها نسج خيوطه عبر جهد واع وعمدي طويل الأجل. ومعناها -أيضًا- أن هؤلاء المفكرين يكملون بعضهم البعض، كل يقوم بجهده الخاص المتميز ولكنه يستفيد من أعمال الآخرين، بل ويحيل إليها ويبني عليها. والمدرسة الفكرية لا تعني أن رموزها يتماهون فيها تمامًا بحيث يصعب التمييز بينهم؛ إذ يظل لكل منهم شخصيته الفكرية المستقلة والتي تسمح بوجود مساحة للاختلاف في وجهات النظر. وهو الاختلاف الذي لا ينكرونه بل يحتفون به في إطار المشروع الفكري الذي يهدفون جميعًا إلى تقديمه.
ولأن الكتاب كله يدور حول رصد قسمات ذلك المشروع وتعريف القارئ بملامحه، فقد كشف بوضوح عن أن تيار الوسطية الإسلامية قد شهد نقلة نوعية بالغة الأهمية بظهور هذه المدرسة الفكرية؛ فهي -المدرسة- لم تكن مجرد امتداد لتيار الوسطية وإنما هي بمثابة ولادة جديدة له. فقد صار لتيار الوسطية -بفضل تلك المدرسة- مشروعًا فكريًا متماسكًا لا مجرد أفكار تجديدية في هذا المجال أو ذاك من مجالات الحياة. ولعلها المرة الأولى منذ قرون التي يبرز فيها في وقت واحد عدد من الرموز الفكرية التي تقوم معًا بالعمل على تقديم مشروع حضاري إسلامي متكامل.
ففي السابق، كانت الوسطية تحظى بين الحين والآخر برمز فكري أو حركي (محمد عبده أو الأفغاني أو البنا)، يجدد أفكارها ويضيف إليها وينقلها في إحدى الجوانب نقلة مهمة للأمام. أما الجديد فيما يتعلق بالإسلاميين الجدد فهو أن مصر المعاصرة قدمت هذه المرة -في زمن واحد- عددًا من الرموز استطاعوا عبر عقود عدة أن يقدموا معًا، عبر أعمالهم المنفردة والمشتركة، مشروعًا متكاملًا. ولا يقتصر دور هؤلاء الرموز -يوسف القرضاوي، ومحمد الغزالي، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، وفهمي هويدي، وكمال أبو المجد- كما يتبين من خلال الكتاب على ذلك الجسد الضخم من الكتابات والدراسات التي أنتجوها، إذ لا يقل أهمية عن ذلك مداخلاتهم المستمرة في الحياة العامة سواء بشكل فردي أو جماعي.
وتنبع قيمة الكتاب من أنه رصد بدقة كيف بدأت الإرهاصات الأولى لذلك المشروع الفكري، ثم راح، يصبر يحسب للباحث، يتابع تطوره وتبلوره عبر عقدين من الزمان حتى صار في مطلع الألفية الثالثة مشروعًا فكريًا متماسكًا يقدم تجسيدًا واضحًا للمقصود بالإسلام الحضاري.
ولعل هذا المشروع المتكامل هو مصدر التأثير الذي يتمتع به رموز هذه المدرسة الفكرية. فهو تأثير يتخطى في الواقع الحدود التنظيمية والجغرافية أيضًا. ففضلًا عن تجربة حزب الوسط المصري الذي تأثر شبابه بشكل مباشر بفكر الإسلاميين الجدد، فإن الرموز هذه المدرسة تأثيرهم الواضح -بدرجات مختلفة- على شباب الصحوة الإسلامية الذين انتموا لمختلف التنظيمات، بل والذين لم ينتموا يومًا لأي منها على اتساع العالم العربي والإسلامي. وكما يتبين من الكتاب أيضًا، أن رموز هذه المدرسة لعبوا أدوارًا بالغة الأهمية في الكثير من الأحداث المحلية والإقليمية والدولية طوال الفترة التي غطاها البحث.
وتيار الوسطية الإسلامية له مريدوه، ولكنه –أيضًا- له نقاده والمتحفظون على دوره. ولا يمكن للقارئ فحص تلك الانتقادات والوقوف على مدى سلامتها إلا من خلال جهد منظم ورصين كالذي بذله ريموند بيكر في بحثه؛ فهو قام برصد وتحليل كل ما صدر عن أولئك المفكرين -من كتابات وإسهامات في الحياة العامة- على مدى ما يقرب من العقدين الكاملين، الأمر الذي يتيح للقارئ الحكم بنفسه على طبيعة ذلك المشروع الفكري، والوزن الحقيقي لهذا التيار. ومن خلال توفير المعلومات المنظمة والرصد الأمين لرؤى المنتقدين، يمكن للقارئ أن يزن بنفسه -أيضًا- الرؤى المغايرة ويقدر أهميتها.
غير أنه لا يمكن في الواقع تقدير مغزى الكتاب وأهميته بمعزل عن قراءة اللحظة التاريخية التي صدر فيها وما كانت تعنيه في علاقة العالم العربي والإسلامي بمحيطه الدولي. فقد صدر هذا العمل الرصين في ۲۰۰۳ في لحظة كانت تمر فيها الأمة بمحنة كبرى لم يكن احتلال دولة عربية كبرى واستباحتها إلا أحد تجلياتها.
وفي تلك الأجواء، كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد استخدمت للترويج لمزاعم وصفها بحق أستاذنا الدكتور جلال أمين بأنها حملة “للتشهير” بالعرب والمسلمين، كان هدفها إيجاد الذرائع للعدوان. وفي إطار تلك الحملة تم استغلال رؤى أكثر التيارات الإسلامية تطرفًا وتخلفًا للقفز منها إلى تعميمات تطول العرب والمسلمين بالجملة بل والإسلام نفسه في بعض الأحيان. ولم تعدم تلك الحملة أكاديميين ومفكرين غربيين بل ومن أصول شرقية، يقومون بالتنظير لها ويبررون بالتالي ما يترتب عليها من عدوان.
وسط كل هذا الصخب والعنف المادي واللفظي والمعنوي، يبرز في الغرب نفسه صوت يقدم رؤية رصينة مبنية على دراسة متعمقة لواحدة من أهم المدارس الفكرية الإسلامية في تاريخنا المعاصر. وهدف الكتاب يكشف عنه عنوانه؛ فبدلًا من التركيز شبه الكامل في الغرب على جماعات العنف والإرهاب، اختار الكاتب أن يغير الموضوع، ويتحدث عن إسلام آخر حضاري: إسلام متصالح مع العالم ومتفاعل معه، بثقة في النفس وقلب مفتوح. إسلام لا يثير التوجس والقلق. فهو “إسلام بلا خوف”. بعبارة أخرى، بدلًا من الانزلاق إلى الحديث بشكل لانهائي عن عنف “إسلامي المصدر”، اختار المؤلف أن يدرس فكر الوسطية الأكثر رسوخًا واتساعًا في تأثيره.
لكن الكاتب اختار -أيضًا – أن يدرس الظاهرة من داخلها لا من خارجها؛ فمن يقرأ الكتاب يلحظ بوضوح أن المؤلف اختار لنفسه عمدًا مقعدًا خلفيًا يراقب منه الفاعلين. بل في كثير من الأحيان يترك المؤلف أولئك الفاعلين يعبرون عن أنفسهم بأنفسهم في اقتباسات طويلة دون أي تدخل منه.
ورغم أن البعض قد يعيب علي هذا المنهج أنه قد ينتهي بصاحبه إلى تقديم صورة تخلو من التحليل النقدي في بعض المواضع، إلا أنه يحسب للمؤلف ذلك الجهد المبذول في قراءة الغالبية الساحقة من الأدبيات التي صدرت عن المفكرين الذين تناولهم الكتاب، فكثيرة هي الدراسات التي تصدر في الغرب بل وفي بلادنا عن الظاهرة الإسلامية، والتي يلاحظ أن الباحث فيها ينقل عن مصادر لا حصر لها دون أن يكلف نفسه عناء قراءة كتاب واحد أو الاطلاع على وثيقة واحدة صدرت عمن يتحدث عنهم. وفي ظل ذلك الركام من الافتراءات والمغالطات، من الواضح أن المؤلف اعتبر أن هناك حاجة للمنهج الذي اتبعه رغم وعيه بمثاليه. فلا ينبغي للقارئ العربي أن ينسى أن الجمهور الأول المستهدف من الكتاب هو الجمهور الغربي.
لكل ما تقدم، كان من الطبيعي أن تكون ترجمة هذا الكتاب عملًا يقبل عليه من يقوم به أيما إقبال؛ فهو عمل يستحق فعلًا الجهد الذي يبذل في ترجمته. ولا أخفي على القارئ الكريم أنني كنت قد شعرت بالحيرة فعلاً حين صدر هذا الكتاب ۲۰۰۳ ولم يلق في عالمنا العربي ما يستحقه من اهتمام. وقتها قلت لنفسي لعل عائق اللغة هو السبب، ومن ثم حين سنحت الفرصة لتقديمه بالعربية لم يكن من الممكن أن أتردد.
لكن ارتباطي الطويل بالكتاب كان حافزًا إضافيًا دفعني لقبول ترجمته؛ فهو -الكتاب- صديق قديم أعرفه جيدًا، ومن ثم من واجبي نحوه أن أقدمه للآخرين إذا ما أتيحت الفرصة، وقد بدأت علاقتي بهذا الكتاب في الفترة التي عملت فيها مع مؤلفه بالجامعة الأمريكية بالقاهرة في مقتبل حياتي الأكاديمية. كنت وقتها أعد لنيل درجة الماجستير ثم الدكتوراه.
وقد أسهمت بحكم عملي كمساعدة للباحث في اختيار المادة الأولية وتصنيفها وتحليلها، وهو ما كان ينتج عنه مناقشات طويلة بل و”معارك فكرية” بالغة الثراء، أشار الكاتب لها في مقدمة هذا الكتاب. وقد استمتعت كثيرا بالعمل مع المؤلف، وتعلمت منه الكثير في تلك المرحلة المبكرة من حياتي الأكاديمية؛ فهو مفكر يتمتع: باستقلالية ونزاهة فكرية، وباحث رصين ومدقق، والأهم من هذا وذاك فهو إنسان بالغ الرقي والعمق معًا.
وقد أسهم العمل من أجل إنجاز هذا الكتاب في توثيق علاقتي بریموند برار، فصارت العلاقة الفكرية التي تجمع مصرية متخصصة في الدراسات الأمريكية بأمريكي متخصص في دراسة الوقع المصري والإسلام علاقة تعكس المشترك في الإنساني على اتساعه، وتثري أعمال كل منا البحثية، وأضافت تلك الصداقة الفكرية لصداقتنا الشخصية عمقًا وثراء.
ورغم تلك العلاقة الوثيقة التي تربطني بالكاتب والكتاب، بل ربما بسببها حيث شعرت بموجبها بمسئولية جسيمة، فقد التزمت التزامًا صارمًا بالأصول المرعية في الترجمة؛ فقد حافظت على المسافة بيني وبين الكتاب طوال فترة ترجمته التي امتدت عامًا كاملاً، إذ ليس من حق المترجم على الإطلاق التدخل في المعنى عبر الإضافة أو الحذف أو التعديل، ولا من حقه حتى إحداث تغيير في الفقرات سواء يدمج بعضها أو تقسيمها. وقد بذلت كل ما بوسعي لأنقل المعنى بأعلى درجة من الدقة، وحاولت قدر الاستطاعة أن أنقل روح الكتاب وأقدمه بلغة عربية تليق باللغة الإنجليزية البديعة التي كتب بها النص الأصلي. وبعد، فإنني أعتذر مقدمًا للقارئ إذا ما كان قد جانبني الصواب أحيانًا في نقل المعنى بالدقة الكافية أو خانني التعبير في أحيان أخرى؛ فالكمال لله وحده وبالله التوفيق.
تقسيمات الكتاب:
تم تقسيم الكتاب إلى مقدمة، وثلاثة أبواب على النحو التالي: