Print this page

نحو نموذج نظري للنسق السياسي الإسلامي، ردًا على المستشرق الإنجليزي "آرنولد"

By د. محمد طه بدوي كانون2/يناير 20, 2024 1282 0

نُشِر هذا البحث في الجزء الثاني من كتاب (مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة والإسلاميّة)، وهو كتاب صدر عام 1985م عن (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم).

   أبان د. طه بدوي في مقدمة بحثه عن باعثه لكتابة هذا البحث حين أوضح  أنه جاء ردًا على ما كتبه المستشرق الإنجليزي "توماس آرنولد" في كتابه "The Caliphate" (الخلافة الإسلامية) والذي كتبه آرنولد  بشأن النظرية السياسية في الإسلام.

   وقد أراد د.طه بدوي في منهج بحثه أن يسلك سبيلًا يلزم فيه نفسه - على حد قوله- بالموضوعيّة، فجاء بحثه من حيث المنهج معتمدًا كلًا من التحليل الموضوعيّ، والمنهج المقارن الذي سعى فيه "إمعانًا في الموضوعية" إلى الاحتكام إلى المعايير التي يدعي الغربيون أنفسهم أنها دعائم نظمهم.

 وقد جاءت خطة البحث مبنيّة على شقّين: شق تقويميٌّ أو تقييميٌّ للموجود، وشق بنائيّ أو تأسيسيّ للمأمول.

  ففي نظره تأتي النظم السياسية بقواعدها التي ترتكز على فلسفات معينة لحل "المشكلة السياسية"، فتقييم أي نظام سياسي ما يتمثل في قدرته على تقديم حلول فعالة "للمشكلة السياسيّة"، ومن هنا يكون الشق الأول شق تقويمي للدعائم التي ترتكز عليها النظم السياسية الغربية المعاصرة بنسقها، وإلى أي مدى أفلح هذا النسق في تحقيق الحل الأمثل للمشكلة السياسية.

  وجاء الشق الثاني ليبني "نموذجًا إسلاميًا" لما يجب أن تكون عليه النظرية السياسية الإسلامية انطلاقًا من المنبع الأساسي في الإسلام: القرآن والسنة مُخرِجًا "واقع التاريخ السياسي للمجتمعات الإسلامية" من مصادر المعرفة التي يستنبط منها فروض ومفاهيم "النموذج الإسلامي" معللًا ذلك بأن تاريخ الواقع السياسي للمجتمعات الإسلامية كانت في أغلب أحوالها مبنية على مقتضى مصالح السلاطين وإن خالفت القيم الإسلامية.

   اختتم أ. د. طه بدوي بحثه بقوله:

   "وفى ختام هذا البحث نقدم فيما يلي تصورنا لما يجب أن تكون عليه علاقات المجتمع السياسية حتى تكون جديرة بالانتساب إلى الإسلام أو في معنى آخر نموذجًا نظريًا للنظام السياسى الإسلامي نستطيع الاسترشاد به في الحكم على مدى إسلامية نظام سياسى ما.

  إن وصف نظام سياسي ما بأنه إسلامي معناه أن علاقات الأمر والطاعة فى المجتمع تجري على مقتضى ما جاء في الكتاب والسنة من قيم سياسية ومن أحكام قانونية فى شأن تلك العلاقات، وهذا مؤداه أن نموذجًا نظريًا للعلاقات السياسية فى المجتمع الإسلامي يتعين أن يقوم على مجموعة من‏ مفاهيم متسقة فيما بينها، مستنبطة من تلك القيم والأحكام كما وردت في الكتاب والسنة، فلو أننا حاولنا تصوير مثل هذا النموذج على هذا النحو فاستنبطنا مفاهيمه من تلك الآيات والأحاديث (المتفق عليها) والتي أوردناها آنفًا والتي تقضي بالتزام رعايا السلطة بالطاعة من حيث هى فضيلة سياسية إسلامية بذاتها، ومن تلك التي تعلق هذه الطاعة على مراعاة السلطة للنظام القانوني الإسلامي بقيمه وأحكامه وعلى قدم المساواة مع  مع المحكومين، ثم من تلك التي تشرع مقاومة جور السلطة بل وتجعل منها واجبًا إسلاميًا بالتفصيل المتقدم،

لو أننا استنبطنا من تلك المقدمات الإسلامية الصرفة مجموعة من مفاهيم بشأن العلاقات السياسية للمجتمع،‏ ثم أودعنا هذه المفاهيم جميعًا في بناء متسق، لكانت هذه المفاهم جديرة بأن توصف بأنها مفاهيم سياسية إسلامية، وكان ذلك البناء الذهنى جديرًا هو الآخر بهذا الوصف، أي بوصفه بأنه نموذجٌ نظري للعلاقات السياسية فى المجتمع الإسلامي، أو لما يجب أن تكون عليه العلاقات السياسية حتى تعتبر إسلامية. لوأننا فعلنا ذلك كله لانتهينا إلى تصوير هذا النموذج للعلاقات السياسية داخل المجتمع الإسلامي مرتكزًا على «مفهوم سياسي أساسي» هو ما نستطيع تسميته « بالتدرج في الالتزام السياسي»، وهو تدرج نستطيع تمثله على النحو التالي:

إن على رأس سلم التدرج فى الالتزام السياسي على خريطة ذلك النموذج الإسلامي يقع النظام القانوني الإسلامي « بقيمه» «وأحكامه» أى من غير تمييز بين قيمه السياسية وأحكامه القانونية» والالترام به عام فى معنى أنه شامل لمواطني الدولة الإسلامية دون ما تمييز بين حاكميها ومحكوميها (إذ الأصل في الإسلام أنه لا حكم إلا لله). فالحاكمون ملتزمون بالامتثال لحكم القانون الإسلامي و لقيمه السياسية في علاقاتهم الخاصة وفي ممارستهم لوظيفة الحكم، وفي الخروج على ذلك «جور» ولهذا الجور مفهوم إسلامي له موقعه على ذلك النموذج الإسلامي للعلاقات السياسية، والمحكومون كذلك ملتزمون بتلك الأحكام والقيم فى علاقاتهم الخاصة وفي علاقاتهم السياسية، أي كأطراف فى علاقة الأمر والطاعة فهم مكلفون بطاعة السلطة بوصف هذه الطاعة قيمة سياسية إسلامية بذاتها، بيد أنهم مكلفون في نفس الوقت بواجب سياسي هو واجب مقاومة الجور أي جور الحاكم تبعًا لخروجه على التزامه بأحكام النظام الإسلامي وبقيمه السياسية، ولمقاومة الجور هذه مفهومها الإسلامي الذي يتخذ له هو الآخر مكانًا على النموذج السياسي الإسلامي للعلاقات السياسية، ثم يلي ذلك فى سلم التدرج فى الالتزام السياسي بمفهومه الإسلامي انقسام رعايا النظام القانوني الإسلامي الشركاء في ذلك الالتزام السياسي العام إلى فريقين؛ حاكمين ومحكومين بتدرج سياسي فيما بينهما قوامه التزام المحكومين بأوامر سلطة الأمر ثم التزام الحاكمين بالنظام القانوني الإسلامي دون ما تمييز بين أحكامه وقيمه بصدد مضمون أوامرهم، وكل ذلك فى إطار المفهوم الإسلامي للشرعية فى مضمونها وجزائها بالتفصيل المتقدم.

 وهكذا يبدو النموذج السياسي الإسلامي على هيئة بناء ذهني من مجموعة متسقة من مفاهيم سياسية على رأسها مفهوم التدرج فى الالتزام السياسي ثم مجموعة من مفاهيم سياسية أخرى، وهي جميعها إسلامية تبعًا لكون مضونها مستنبط من الكتاب والسنة كمفهوم الطاعة من حيث هى فضيلة سياسية، ومفهوم «الجور» فى مدلوله الإسلامي، ومفهوم المقاومة من حيث هي واجب إسلامى، ومفهومها من حيث هى ضمانة لعدم التدلي إلى الجور. ومثل هذا النموذج السياسي الإسلامي الخالص جدير حقًا بأن يسترشد به فى الحكم على مدى إسلامية أي نظام سياسي.

 إن كل نظام يقيم علاقات مجتمعه السياسية على ذلك النحو من التدرج فى الالتزام السياسي بمفاهيمه الإسلامية السياسية المتقدمة هو جدير وحده بانتسابه للإسلام. ولعل في ذلك فصل الختام في الرد على ما قدمه "آرنولد" بصدد النظرية السياسية للخلافة الإسلامية.

والله يتم نوره ويغفر لي عجزي والسلام.

        محمد طه بدوي

الإسكندرية في 26 سبتمبر 1982م

               الموافق 9 ذو الحجة 1402 ه

رابط تحميل ملف الدراسة

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:51