Print this page

القضاء في الإسلام

By عارف النكدي كانون1/ديسمبر 10, 2023 924 0

"القضاء في الإسلام" محاضرة ألقاها الأستاذ عارف النكدي - مفتش العدلية العام وأستاذ علم الاجتماع في مكتب الحقوق بدمشق- في نادي المجمع العلمي، وطبعتها مكتبة الترقي في دمشق عام 1340هـ/1922م.

 وجاء في مقدمة المحاضِر:

رأيت أيها السادة، أن يكون الحديث في هذا الاجتماع، عن القضاء في الإسلام، لأسباب أربعة:

أولاً: أن القضاء هو أفضل مظهر يتمثل به العدل، والعدل –الذي قال فيه أرسطو: أن به قوام العالم- هو المرتكز الذي ترتكز عليه الدول. ولا سيما آن تأسيسها، وفي أوائل نشأتها، كحالتنا الحاضرة، فإذا لم يكن قضاء حر مستقل نزيه فلا عدل، وإذا لم يكن عدل فلا سبيل إلى البقاء.

ثانيًا: أن هذا القضاء كان منذ كان، إلى أن جعلوا يخرجونه عما وضع له، ويتأولونه على غير ما أُريد به، خیر قضاء عرفه الناس. ممثلاً لروح العدل، متكيفًا مع المكان، متمشيًا مع الزمان، وكان قضاته إلى أواسط الدولة العباسية تقريبًا، أنزه قضاة عرفهم التاريخ، لا مستثنيًا أحدًا من مشارق الأرض ومغاربها في حاضر الأيام وغابرها.

ثالثًا: أن النهضة العلمية الأخيرة، قد حدرت اللثام الذي كانت سدلته القرون الوسطى -قرون الخمول والجمود- على حضارتنا السابقة، فعرفنا كثيرًا عن أسلافنا الأولين، مما هو حقيق أن يكون وضع إعجاب ومفاخرة. ولكن أكثر ما عرفناه فملأنا به الكتب الحديثة، هو الأدب ورجاله، والآداب الرفيعة وذووها، وما إلى ذلك. أما القضاء ورجاله فقد ظل خبره مجهولاً عندنا إلا قليلاً مما لا يغني الغناء كله، بل مما قد تكون معرفته شرًا من جهله، فإذا كانت الناشئة اليوم تعرف رجالات الأدب والتاريخ في العرب فحري بها أن تعرف شيئًا صحيحًا عن القضاء، وتاريخه، ورجاله، وكيف كان، وإلى أي حالة صار إتمامًا للتأدب وخدمة للتاريخ.

رابعًا: إنا وإن كنا نعلم أن الأمجاد التاريخية القديمة لا تكفل للأمة ارتقاءها، وتعزيز مكانتها إن لم يمض الأبناء على سنن الآباء، ويضيفوا إلى تليد المجد طريفه - فلسنا ننكر أن التحدث بالمجد، داع إلى النشاط. باعث الهمم من مراقدها نزاع بالنفوس -وقد عرفت سابق عزها وباسق غرسها– إلى الاقتداء بالسلف الصالح، والجري على آثاره. ولعل السيد الرسول لم يرد غير ذلك يوم قال "الشرف معوان".

ولا أرى لي بدًا قبل أن أخوض في هذا الموضوع من أن أقول: إن هذا القضاء قائم بنفسه، مستقل عن كل شرع سواه، وأن لا صلة له البتة بالشريعة الرومانية التي يزعمونها مصدرًا لشرائع العالم جمعاء. أما الذين يذهبون إلى أن الشرع الإسلامي داخل في جملة الشرائع التي استمدت أصولها وأحكامها من الشريعة الرومانية فإنما يذهبون مذهبًا لا تنهض به حجة، ولا يؤيده دليل. ومع هذا فقد أصاب مدعاهم شيئًا من القيمة في بعض العقول والنفوس، ولكي لا يجيء قولنا مجردًا عن البرهان كما جاء قول المخالفين، نعززه بالأدلة الآتية:

  • أن القانون الروماني لم يتم وضعه إلا في بضعة عشر قرنًا - أي أيام يوستيتبان في أواسط القرن السادس الميلاد -وقد بني أكثره على العادات والاعتقادات في الأمة الرومانية. أما القضاء في الإسلام فإنه وإن كان نضج في فترة قصيرة لم تبلغ القرنين -بحيث تكاد لا تذكر في جانب الزمن الذي استغرقه وضع القانون الروماني- فليس يصح أن يُقال فيه أنه نقل نقلاً، أو استمد استمدادًا، وهو قد نما على الأيام ومع الحاجة، وكانت له مصادر معروفة أُخذت من الكتاب والسنة صراحة أو استنتاجًا أو قياسًا، وأُضيف إليها الإجماع، وقد بني كثير منه على العادات في الأمم التي دخلت تحت لواء الإسلام.
  • أن التاريخ ذكر لنا ما أخذه العرب في النهضة العباسية عن غيرهم من الأمم من العلوم بعضها أو كلها كالفلسفة والطب والفلك والتنجيم وسائر العلوم الكونية، فعرفنا أسماء المترجمين والمعربين في كل فن وعلم، وعرفنا المصادر التي أخذوا منها، واللغات التي نقلوا عنها، ولم يُذكر أنه حصل شيء من مثل ذلك في القضاء.
  • أن العلوم المنقولة بقيت عليها في لغتها مسحة من العجمة، وفي مفرداتها ألفاظ غريبة عن العربية خلا هذا القضاء، فقد جاء عربيًا صحيحًا مفردًا ومركبًا، فإذا وقع فيه لفظ غريب فليس أكثر مما هو في بعض الفنون العربية البحتة كالأدب مثلاً، وهذه الألفاظ أكثرها فارسي جاء بها المؤلفون الفرس وانتقلت منهم إلى من أخذ عنهم أو كانت ما اقتضته الصناعة والتجارة والزراعة.
  • إذا كان بين الشريعتين تشابه في بعض الأحكام، فذاك أن الشريعة في كل أمة تعمد في مصادرها أيضًا على العرف والعادات والحالات الطبيعية، ويكثر أن تشترك كثير من الأمم في كثير من هذه الأمور، وليس أدل على ذلك مما عند أهل البداوة من الأحكام التي يكاد يكون بعضها كالقوانين الموضوعة.

ثم لو صح أن تكون الشريعة الإسلامية استقت من القانون الروماني لما كانت سلمت من أن يتسرب إليها، أو إلى عقول أصحابها، شيء من الخُزعبلات التي كانت تجري في مواطن هذا القانون، كمثل محاكمة الحيوانات، والقضاء عليها بنفي أو بتعذيب أو بصلب، وكنبش الموتى ومحاكمتها وإصدار الأحكام عليها، وهذا ما تعالت عنه هذه الشريعة علوًا كبيرًا.

  • لو صح أن يكون القانوني الروماني، من مصادر الشريعة الإسلامية، لحق أن يكون موطن هذا التشريع، أو أحد مواطنه - في أقل ما يكون - بلدًا من البلاد التي كانت خاضعة لسلطان روما نازلة على أحكام قانونها، وهذا ما لم يكن شيء منه.

وثمة وجه آخر لا يجدر السكوت عنه، وهو أن القانون المعروف بالقانون الروماني كان من قبل مشوشًا معقدًا لم يظهر بشكله الأخير إلا بعد أن لابست الفرنجة العرب في الأندلس، وأخذت العلم عنهم، وقد قال بهذا كثيرون وأوردوا عليه أدلة عقلية ونقلية ليس من غرضنا الآن أن نأتي بها. وإذا نحن وازنا بين هذين الرأيين: رأي القائلين بأن الشريعة الإسلامية استقت من القانون الروماني -وهو رأي قد تكشفت مقاتله- ورأي القائلين بأن الشريعة الإسلامية هي التي أمدت هذا القانون فصيرته ما هو لكانت كفة هذا الرأي هي الراجحة، وحجة القائلين به أقرب للعقل وأوزن في النقل.

لذلك نستطيع أن نقول: أن القضاء الذي نتكلم عنه هو قضاء لا أثر للنقل فيه، ولا فضل في وضعه لغير ذويه، ولسلفه من قبله.

وسيدور بحثنا على أربعة أمور.

(1) القضاء في العرب قبل الإسلام.

(۲) القضاة والقضاء وما يؤخذ عليه.

(۳) أدب القضاء والقضاة.

(4) مقارنة بين القضاء في الإسلام، والقوانين في هذه الأيام.

 

رابط تحميل المحاضرة

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:48