Print this page

الفئات المشمولة بحماية القانون الدولي الإنساني

By أ. د. أحمد أبو الوفا تشرين2/نوفمبر 28, 2023 1138 0

جاءت هذه الدراسة ضمن الأوراق المقدمة إلى المؤتمر العلمي السنوي السابع بعنوان: "القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته على الأراضي المحتلة"، والذي عقدته كلية الحقوق جامعة المنصورة بالتعاون من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في الفترة من 5- 6 أبريل 2003م، ونُشرت هذه الدراسة على موقع "المنظومة".

وجاء في مقدمة الورقة ما يلي:

أ. لمحة جمالية:

من المعلوم أنه بخصوص العلاقات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، يهدف قانون الحرب إلى إيجاد حل وسط بين اعتبارين متناقضين:

  • فمن ناحية، بما أن النتيجة التي يهدف إليها كل محارب هي تحقيق النصر علي الطرف الآخر، وجب إعطاؤه وضعًا يسمح له بوضع كل الإمكانات والوسائل التي تحقق له ذلك.
  • ومن ناحية أخري، تقضي الاعتبارات الإنسانية بضرورة احترام الحياة الإنسانية وذلك بتجنيبها كل أنواع المعاناة غير المفيدة.

معني ذلك أن كل نزاع مسلح يحتم ضرورة التوفيق بين الضرورات الحربية والمقتضيات الإنسانية الأولية، وهكذا فيما يتعلق بسير العمليات العسكرية، إذا كان للأطراف المتحاربة حشد كل الوسائل الكفيلة بتحقيق النصر العسكري، فإن ذلك لا يعني أن حريتهم في هذا المقام غير مقيدة، كذلك يجب التمييز في جميع الأحوال بين الأشخاص المشتركين في العمليات العسكرية والسكان المدنيين الذين يجب بقدر الإمكان تجنيبهم آثار الحرب، وبالتالي اتخاذ الاحتياطيات الضرورية التي تكفل تحقيق ذلك، لذلك يجب عدم استخدام أسلحة التدمير الشامل؛ لأنها بسبب قوتها العمياء تمس ليس فقط المحاربين، ولكن أيضًا غير المحاربين، ولأنها مصدر لأنواع من المعاناة غير المفيدة، أو القسوة غير الضرورية useless or needless severity (راجع المواد 4، ٣٢ - ٣٤ من قواعد الحرب البرية التي تبناها مجمع القانون الدولي عام ۱۸۸۰م)، كذلك علي الأطراف المتحاربة عدم استخدام الأسلحة التي وإن كان لها أهداف محددة تؤدي إلي أنواع من المعاناة غير المفيدة: كاستخدام الغازات الخانقة، والحرب البكتريولوجية، والقذائف التي تنمو وتتسطح في جسم الإنسان كقذائف دم - دم ... إلخ.

ب. ضرورة حماية الفرد من ويلات النزاع المسلح:

لا مراء أن الوضع القانوني للفرد، وهو موضوع آثار الكثير من المناقشات والجدل علي الصعيد الدولي، يتحسن يومًا بعد يوم، وإذا كان هذا الوضع ما زال هشًا وضعيفًا ومحدودًا، فإنه يبقى مع ذلك أن نقرر أن الزمن الذي كان فيه الفرد لا يحتل مكانًا مميزًا علي الصعيد الدولي (أو حتي في إطار القانون الداخلي) قد انقضى إلى غير رجعة، وذلك يجب ألا يدعو للدهشة، ذلك أن غاية أي نظام قانوني تتمثل أساسًا في خدمة أشخاصه الذين يتكونون في النهاية من أفراد، فالقانون الداخلي يهتم أساسًا بالأفراد، بل هم الذين يشكلون في الواقع سبب وجوده، أما القانون الدولي وإن كان يهتم بأشخاصه فقط (كالدول والمنظمات الدولية)، إلا أنه يضع نصب عينيه - في النهاية - أيضًا الفرد ككائن حي.

ويدخل ذلك بصفة خاصة في بؤرة اهتمامات أحد الفروع الأساسية للقانون الدولي المعاصر "القانون الدولي الإنساني".

ويتمثل سبب وجود القانون الدولي الإنساني - أساسًا - في حماية كل الأنفس البشرية المندمجة بطريقة أو بأخرى في النزاعات المسلحة، أو الذين يعتبرون من ضحاياها، وذلك بتجنيبهم أوجه المعاناة غير الضرورية، فالأمر إذن يتعلق بحماية آلاف، بل قل ملايين، الأشخاص الذين تتهدد حياتهم نتيجة بدء واستمرار بل وانتهاء النزاعات المسلحة، ولا يهم، في هذا المقام، طبيعة المنازعات أو الدوافع أو الأسباب التي تتواجد خلفها على أساس: أنه في النهاية يذوق ويلاتها دائمًا الكائنات البشرية.

ورغم أن قواعد القانون الدولي الإنساني تجد جذورها في أخص أعماق النفس البشرية باعتبار أنها تطبيق للفطرة التي فطر الله الناس عليها وللسليقة الحسنة، فإن أهم تلك القواعد تم تقنينها في بعض الاتفاقات الدولية، ومنها اتفاقات جنيف الأربع العام ١٩٤٩م، وهي: اتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضي من أفراد القوات المسلحة في الميدان، واتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضي والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار، واتفاقية معاملة أسرى الحرب، واتفاقية حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، وفي عام ۱۹۷۷م اعتمد مؤتمر القانون الدولي الإنساني ملحقين للاتفاقيات المذكورة، وهما: الملحق رقم 1 الخاص بالمنازعات الدولية، والملحق رقم ٢ الخاص بالمنازعات الداخلية التي تدور فوق إقليم إحدى الدول بين قواتها المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى.

وليس في نيتنا أن نعرض بصورة تفصيلية للنظرية العامة للقانون الدولي الإنساني، مكتفين بالإشارة إلى أهم الملامح الأساسية التي تكتنف تطبيقه، وهي:

أولاً: تطبق قواعد القانون الدولي الإنساني على أشخاص ذوي طبيعة مختلفة (أفراد القوات المسلحة المرضى والجرحى، وأسرى الحرب، والسكان المدنيين، والصحفيين في ميدان القتال، ورجال الدين ... إلخ)، لكن لا يتمتع بهذه القواعد المرتزقة والجواسيس، ولا يعد أفراد القوات المسلحة الذين يرتدون زيهم، جواسيس فيما يتعلق بالمعلومات التي يجمعونها عن الخصم.

كل هؤلاء الأشخاص يجب معاملتهم معاملة إنسانية، مع احترام آدميتهم، دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو المعتقدات السياسية. كذلك يجب عدم الاعتداء على حياتهم أو استعمال العنف تجاههم، وعلى الأخص عدم قتلهم أو إبادتهم أو تعذيبهم. ومن الناحية الموضوعية، على أطراف النزاع - كما قلنا - عدم استعمال الأسلحة التي تؤدي إلى أوجه معاناة غير مفيدة، ولا يجوز بأي حال الاعتداء علي المنشآت الطبية الثابتة والمتحركة، بل لا يجوز لدولة الاحتلال الاستيلاء عليها ما بقيت هذه المرافق لازمة لمد السكان المدنيين بالخدمات الطبية المناسبة، ولاستمرار علاج أي من الجرحى والمرضي الذين هم تحت العلاج.

ثانيًا: يكون مراعاة قواعد القانون الدولي الإنساني بواسطة أطراف النزاع أنفسهم، باعتبار أن الأمر يهمهم بالدرجة الأولى، ويمكن قيام بعض الجهات المحايدة (كجمعية الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر) ببعض الجهود الإنسانية، بقصد حماية وإغاثة المرضى والجرحى والأسرى، بل يجري العمل أيضًا على إمكانية قيام دولة ثالثة (يطلق عليها اسم الدولة أو السلطة الحامية) بتأمين تطبيق هذه القواعد لحماية مصالح أطراف النزاع. وتلتزم الدول الأطراف في الاتفاقيات المقننة لقواعد القانون الدولي الإنساني بوضع أي تشريع داخلي لازم لفرض عقوبات فعالة على الأشخاص الذين يقترفون إحدى المخالفات الخطيرة لهذه القواعد (كالقتل العمد أو التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية أو الأعمال التي تسبب آلامًا شديدة أو إصابات خطيرة للجسم أو الصحة)... إلخ.

ثالثًا: أن قواعد القانون الدولي الإنساني تسري حتى عند عدم الارتباط بها بالتطبيق لنص اتفاقي.

 

ج. حتمية تلافي حدوث انتهاكات حقوق الفئات المحمية: مثال ما حدث في يوغوسلافيا السابقة بالنسبة للمسلمين:

إن مختلف الفظائع التي ترتكب ضد الفئات المشمولة بحماية القانون الدولي الإنساني تحتم ضرورة تلافيها، ومن هذه الفظائع ما حدث في يوغوسلافيا السابقة إثر تحلل الاتحاد اليوغوسلافي، وبصفة خاصة ما تم ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، والتي وصلت إلى حد أنه في بعض المناطق غطت جثث القتلى مسافة من ٥٠ إلي ۷۰ مترًا.

ومن القضايا التي نظرتها محكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة قضية الجنرال كرستيش Krstic الذي اتهم بارتكابه جرائم إبادة الجنس، وبعض الجرائم ضد الإنسانية (كالقتل والمعاملة القاسية واللاإنسانية، وإرهاب المدنيين المسلمين في البوسنة وترحيلهم) وانتهاك قوانين وأعراف الحرب عندما تم استيلاء الصرب علي سربرنيتشا في يوليو ١٩٩٥م رغم إعلان تلك المنطقة "منطقة آمنة". فقد تم ترحيل أكثر من ٢٥٠٠٠ مسلم إلى المناطق الأخرى الموجودة تحت سيطرة المسلمين، وتم إعدام ما بين ۷۰۰۰ إلى ۸۰۰۰ مسلم من الرجال القادرين علي حمل السلاح.

تقسيمات الدراسة:

  • مقدمة عامة.
  • الفصل الأول: فئات الأشخاص المحميين.
  • الفصل الثاني: المبادئ التي تخص الفئات المحمية.
  • الفصل الثالث: نظم ووسائل كفالة الحماية المقررة للفئات المحمية.
  • خاتمة عامة.

 رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:47