1) تمهيد: موقف الدساتير العربية من الشريعة الإسلامية
كلما همت إحدى الدول العربية بإصدار دستور جدید تجاوبت أرجاؤها بالدعوة إلى النص فيه على حكم يجعل للإسلام منزلة خاصة في تنظيم شئون الحياة، وتقرر الأغلبية الساحقة من الدساتير العربية أن الإسلام دين الدولة، وفي بعض الدساتير نصوص تجاوز هذا المدى فتجعل الإسلام مصدرًا رئيسيًا للتشريع، وتحرص بعض الدساتير العربية على تأكيد المصدرية فتنص صراحة على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع.
والبحث عن دور المشرع العربي في ظل هذه النصوص يقتضي تحديد جنسية هذا المشرع ابتداء، فكل مشرع يتحدد دوره تبعًا للموقف الدستوري الذي تقفه دولته من الشريعة الإسلامية، وللدساتير العربية في هذا الشأن - كما قدمنا - اتجاهان رئیسیان:
فأما الاتجاه الأول فلا يلزم المشرع في القضية المطروحة بشيء يستحق الذكر، والنص الدستوري على الإسلام بتلك الصيغة خاطيء من وجه، وفارغ من المعنى من وجه آخر، وكل ما للنص بصيغته الراهنة من دلالة أن الدولة التي يحكمها هذا النوع من الدساتير ليست دولة علمانية أو لا دينية، وإنما هي دولة يدين شعبها كله أو سواده بدين تعترف به الدولة على الملأ ولا تنكره.
ووجه الخطأ في النص الدستوري بهذه الصبغة أنه يتجاهل حقيقة الإسلام ويعامله كما تعامل شعوب أخرى دينها، رغم ما بين الإسلام وبعض الأديان من اختلاف كبير، والواقع أن النص الدستوري على هذا النحو يجعل الإسلام إسلامين يمكن لأحدها أن ينهض بمفرده ويحتفظ باسمه، أو هو بعبارة أدق يتصور إمكان قيام الأول دون الثاني، فأما الإسلام الأول فهو الإسلام كعقيدة وشعائر، وأما الثاني فهو الإسلام كنظام يحكم العلاقات بين الأفراد، وبينهم وبين الدولة، وبين الدولة وغيرها من الدول، والدساتير العربية التي تنزع إلى الاتجاه الأول إنما تقصد بالإسلام إسلام العقيدة والشعائر لا الإسلام كنظام يحكم شئون الحياة، فكأن الدولة بذلك النص تبرز في دستورها طابعًا دينيًا يميز شعبها أو سواده، والنص من هذه الزاوية أقرب شبهًا بالنص على شعار الدولة ونشيدها الوطني ولون علمها، والملاحظ أن كثيرًا من الدساتير العربية تستهل موادها بالفعل بالنص على هذه الأمور على التوالي.
ولا شك أن هذا الفهم خاطيء، لأن الإسلام نظام كلي شامل، فهو لا يقبل التبعيض، وإذا كانت بعض الدساتير العربية تصر على فهم الإسلام على هذا النحو، فهذا الإصرار لا يغير من حقيقة الإسلام، ولكنه يدمغها هي بالتناقض، لأنها تجزئ ما لا يقبل التجزئة، ونحن لا نقرر ذلك انسياقًا وراء عاطفة دينية، ولكنا نقرره استنادًا إلى فهم علمي صحيح لطبيعة الإسلام.
وقد انتقلت هذه البدعة إلى الدساتير العربية من الغرب، ولم تفطن الدول الإسلامية إلى أن طبيعة الدين المسيحي، والتاريخ السياسي للكنيسة في أوربا في العصور الوسطى يبرران جعل الدين مجرد معتقد، ويسمحان للدولة بتنظيم مختلف شئون الحياة بقوانين وضعية خالصة، أما الإسلام فلم يقتصر على جانب العبادات وحده، بل واجه شئون الحياة على اختلاف صورها، وتناول كثيرًا منها بالتفصيل، واجتهد فقهاؤه من قديم فاستخلصوا قواعد أصولية أعانتهم على استنباط أحكام لسائر الشئون، فليس في طبيعة الإسلام إذن ولا في تاريخه السياسي على الإطلاق ما يبرر الجفوة القائمة بين النظم الوضعية وأحكامه الشرعية.
هذا عن وجه الخطأ المنطقي في دساتير دول الاتجاه الأول، أما خلو هذا الاتجاه من المعنى فتعبير بالغ الكياسة، والحق أن واضعي النص لم تكن تطلب مجرد شعار ديني، بل كانت تطلب نظامًا إسلاميًا أصيلاً، وقد قدم لها النص بزعم أنه يحقق لها ما تريد، وهو في حقيقة أمره لا يعني شيئًا.
وعلى أي حال فليس موضوع البحث هو تحديد الموقف الذي ينبغي أن تقفه الدساتير العربية من الشريعة الإسلامية، وإنما موضوع البحث هو تحديد دور المشرع العادي في ظل النصوص الدستورية التي تجعل الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع.
وينبغي التسليم بأن المشرعين في دول الاتجاه الأول غير ملزمين قانونًا باتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع؛ فالنص الدستوري في دولهم لا يقرر هذا الالتزام، والرأي متفق على ذلك، والواقع يؤكده، فالمشرع في هذه الدول يسن من القوانين ما يراه ملائمًا لمجتمعه ومناسبًا لظروفه، دون أن يجهد نفسه في البحث عن مدى موافقة أو مخالفة هذه القوانين لأحكام الشريعة، وليس معنى ذلك أن تشريعات هذه الدول تتعارض كلها مع أحكام الشريعة، وإنما يختلف البعض منها ويتفق البعض الآخر. غير أن الاتفاق أمر عارض غير مقصود لذاته، فهو في أغلب الأحوال مجرد توافق لا اتفاق، ومما يجدر ذكره أن بعض النظم التي سبق إليها فقهاء الشريعة عجزت عن إقناعنا بجدواها، فلما ارتدت زيًا غريبًا بهرتنا فاعتنقناها، ويمكن الاستشهاد على صحة ذلك بما أثبته أستاذنا المرحوم الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كثير من مؤلفاته.
أما الاتجاه الثاني فأكثر إنصافًا للشريعة، لأنه ينظر إليها، لا على أنها مجرد عقيدة وشعائر، بل باعتبارها كذلك مصدرًا يمكن أن تستمد منه الأحكام، والدول التي تنحو هذا المنحى قسمان: قسم كانت الشريعة وما تزال هي العمدة في تنظيم شئون حياته، كالسعودية، ويسود فيها مذهب الإمام أحمد بن حنبل، واليمن، ويسود فيها المذهب الزيدي، وقسم كان إلى أمس القريب يتعامل مع الشريعة بصفة عامة على أنها مجرد عقيدة، وأبرز دول هذا القسم دولة اتحاد الجمهوريات العربية التي تضم كلاً من مصر وسوريا وليبيا، وقد حدث التحول فيها بصدور دستور دولة الاتحاد في أول سبتمبر ۱۹۷۱، وتنص المادة السادسة من هذا الدستور على ما يلي: "تؤكد دولة الاتحاد على القيم الروحية وتتخذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع"، وردد دستور جمهورية مصر العربية الصادر في 11/9/1971 هذا الحكم قنص في المادة الثانية على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"[1]، ودور المشرع في دول هذا القسم أكثر دقة من دوره في دول القسم الأول لعدة أسباب:
أولها: أن هناك أعدادًا ضخمة من التشريعات السابقة على صدور الدستور، منها ما يوافق أحكام الشريعة ومنها ما يخالفها، وعلى المشرع أن يحدد موقفه من التشريعات الأخيرة: هل يسعه الإبقاء عليها، أو يلتزم قانونًا بمراجعتها وتعديلها بما يتفق والغاية التي دعت إلى تقرير المبدأ الجديد؟ وإذا كان الفرض الثاني أرجح فما هو الجزاء الذي يترتب على قعود المشرع عن القيام بواجبه؟.
والثاني: أن نص الدستور لم يلزم المشرع باتباع مذهب معين المذاهب الفقهية المعروفة، بالرغم من أن كتلا كبيرة من شعوب دول القسم الثاني تتبع مذاهب مختلفة. وهذا الإطلاق إن كانت فيه ميزة المرونة، إلا أنه عند التطبيق قد يثير بعض المصاعب.
والثالث: أن الشريعة الإسلامية ظلت قرابة قرن من الزمان معزولة عن تنظيم شئون بعض المجتمعات العربية، وقبل ذلك كان باب الاجتهاد موصدًا أو مقيدًا لعدة قرون، وفي خلال ذلك كانت الحياة تجري على سنتها الخالدة، لا تجمد ولا تقف، بل تتغير وتتطور، وليست مهمة المشرع في دول حديثة بسرع فيها إيقاع الحياة ويتزايد نبضها أن يقنن أحكامًا شرعية فحسب، فهذا العمل تصف ما عليه، بل لعله أقل من نصفه، وقد يعود بالنقض على أصل التزامه، وإنما واجبه الأساسي أن يقنن أحكامًا لا تشل حركة مجتمعه، بل تدفعه نحو التطور والتقدم دفعًا، فالالتفات إلى الشريعة والعزم على العمل بأحكامها لم يكن مبعثه الرغبة - ولا الرضا – بالجمود أو التخلف، بل التطلع إلى حياة أفضل، والولاء للمجتمع لا يتعارض مع الولاء للشريعة، بل إن الولاء الحق لها هو بالضرورة ولاء للمجتمع، لأن الإسلام لم يجئ لإعنات الناس، بل جاء رحمة بهم وهداية لهم.
وإذن فواجب المشرع أن يقنن للناس من الشريعة أحكامًا تستقيم بها حياتهم ولا تضطرب، ويستمر بها تطورهم ولا ينتكس، وتسر عليهم حياتهم فلا ترهقهم من أمرهم عسرًا، فكيف يتسنى للمشرع أن يوفق بين الرغبتين دون أن يقع في الحرج فيلقى نفسه مرغمًا على التخلي عن إحداهما في سبيل الأخرى؟.
وسوف نقصر بحثنا على دراسة بعض المسائل التي يثيرها نص المادة السادسة من دستور دولة اتحاد الجمهوريات العربية لما بيناه من دقة موقف المشرع العربي في كل من مصر وسوريا وليبيا.
2) معنى اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع:
يذهب الرأي الراجح لدى فقهاء القانون إلى أن القاعدة القانونية لها مصدران: مصدر شكلي أو رسمي، وآخر موضوعي أو مادي، فأما الأول فيرمز لطرق التعبير عن القاعدة القانونية، وأما الثاني فيرمز لجوهرها، وعلى ذلك فالمصادر الموضوعية أو المادية تقدم جوهر القاعدة القانونية، والمصادر الرسمية تسبغ على هذا الجوهر صفة الوضعية أو الشرعية بما تعطيه من شكل ملزم للناس[2].
والنص في دستور دولة الاتحاد على اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع إنما ينصرف بطبيعة الحال إلى اتخاذها مصدرًا موضوعيًا، فهذا النص لم يسبغ على أحكام الشريعة قوة إلزام ذاتية، ولذلك فإن أحكامها ما زالت بعد النص كما كانت قبله مجرد قواعد دينية، لا يلتزم الناس بالعمل على وفقها إلا بوازع من ضمائرهم وحدها، ولا تكتسب هذه الأحكام قوة الإلزام التي تحظى بها قواعد القانون إلا إذا تدخل المشرع فقننها، وفي هذه الحالة تصبح تلك الأحكام ملزمة بتقريرها تشريعيًا لا بذاتها، أي بسلطان الدولة لا بسلطان الدين، والدليل على ذلك أن الخطاب في النص الدستوري موجه إلى المشرع لا إلى الكافة ولا إلى القضاء، فهو يلفت نظر المشرع إلى وجوب استلهام قواعده في كل ما يعرض له من أمور مما تقرره الشريعة الإسلامية.
والمصادر الموضوعية أو المادية متعددة: منها الأعراف السائدة، ومنها التشريعات المقارنة، ومنها الاجتهادات الفقهية والقضائية، ومنها مبادى العدالة، ومنها الدين بطبيعة الحال، وهذه المصادر على اختلافها تتفق فيما بينها في أنها تزود المشرع بجزء هام من المادة التي يصوغ منها قواعده، والأصل أن هذه المصادر إذا تزاحمت وتعارضت فإنها لا تتفاضل فيما بينها لعلة في ذاتها، فهي في مجموعها سواء من حيث إنها تقدم للمشرع فروضًا لما ينبغي أن يكون عليه الحكم في واقع الحال، ومناط التفضيل بينها هو تقدير المشرع وحده، فهو الذي يقدم مصدرًا على مصدر، وهو لا يجري دائمًا على نفس الوتيرة، بل يقدم ويؤخر حسبما يقتضي الحال، وعلى ذلك فليس في طبيعة هذه المصادر ما يسمح بتقسيمها إلى مصادر رئيسية وأخرى ثانوية، بل إنه ليس في الدساتير نصوص تحدد أو تعدد هذه المصادر أصلاً، وإنما اجتهاد فقهي قائم على مجرد الاستقراء، وقد جرت سنة الدساتير المعاصرة على إسناد مهمة التشريع إلى سلطة من سلطات الدولة وإطلاق الحرية لها في ممارسة عملها، بشرط واحد هو احترام المبادئ الأساسية التي قررها الدستور، ولم تجر الدساتير الحديثة على إلزام السلطة التشريعية باستلهام قواعدها من مصدر بذاته، بل أطلقت يدها في سن ما تراه ملائمًا للجماعة في ضوء الظروف المحيطة بها.
وليس الجديد في النص الدستوري أنه يجعل الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع؛ فهذه المكانة ثابتة لها بغير نص، وإنما الجديد فيه أنه يجعلها مصدرًا رئيسيًا، واعتبارها كذلك يجعل ما عداها ثانويًا بالضرورة، وهذه النتيجة لا محيص عنها، لأن الأصل أنه لا تدرج بين المصادر الموضوعية أو المادية، بل الأصل تكافؤها، فإذا وصف الدستور واحدًا منها بأنه مصدر رئيسي فقد دل بذلك على أنه يعتبره المصدر الرئيسي الوحيد، ولو قبل بغير ذلك لكان التخصيص عديم الجدوى.
ونتساءل بعد ذلك عما إذا كان في وسع المشرع أن يستمد قواعده من مصادر أخرى غير الشريعة الإسلامية.
يبدو للوهلة الأولى أن ذلك ممكن، فالنص الدستوري لم يجعل الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا، بل جعلها مصدرًا رئيسيًا، ففتح المجال أمام المشرع لاستمداد قواعده من مصادر أخرى، وكل ما للنص من أثر هو إلزام المشرع بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية ابتداء كلما هم بسن تشريع لاستنبائها الحكم فيما هم به، فإن وجد فيها حكمًا قننه، وإن لم يجد بحث عن ضالته في غيرها من المصادر.
وهذا المنطق ممكن القبول بشرط أن نسلم ابتداء بأن هناك شأنًا من شئون الحياة لا حكم للشريعة فيه، فهل مثل هذا التسليم ممكن شرعًا؟.
لعل هذه المسألة من أدق المسائل التي سيثيرها النص الدستوري، ولا سيما أنه لم يقيد المشرع كما ذكرنا بالتزام مذهب معين، والأمل معقود على أن تتسع الصدور لتقبل ما يدور في هذا الشأن من نقاش، والأمر بعد ليس جديدًا على الفكر الإسلامي كل الجدة، فقد اختلف فقهاء المسلمين فيه من قرون، وكان هذا الاختلاف سببًا في نشوء بعض المذاهب الفقهية.
3) نطاق أحكام الشريعة الإسلامية:
يرى جهور الفقهاء أن الشريعة الإسلامية على درجة من المرونة تجعلها كفيلة بتقرير حكم لكل واقعة تطرأ، ومقتضى رأيهم أن الشريعة الإسلامية وإن نص على اعتبارها مصدرًا رئيسيًا للتشريع إلا أنها ستؤول عند التطبيق إلى أن تكون مصدرها الوحيد، وبيان ذلك أن الشريعة الإسلامية في تقدير جمهور الفقهاء نظام قانوني تتسع أحكامه لكل جوانب الحياة، وأنها لا تقتصر على كليات الحياة فحسب، بل تتناول جزئياتها أيضًا.
فمصادر الشريعة عندهم على درجة من الوفرة والخصوبة تغنى من يلجأ إليها عن تلمس الحكم فيما عداها، وهي بحسب تصويرهم تستغرق المصادر الثانوية التي يظن رجال القانون أن في وسعهم اللجوء إليها، فالمتفق عليه عند الجمهور أنه إذا طرأت واقعة وجب البحث عن حكمها في الكتاب أو السنة، فإن تعذر التماس نص يعالجها، وجب البحث عن حكمها في مصادر الشريعة الفرعية، وعلى رأسها الإجماع والقياس، ومنها المصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والعرف، وليس من المتصور والحالة هذه أن تعيا الشريعة عن تقرير حكم في أي واقعة، وقد اعتد فقهاء الشريعة بالعرف ورتبوا عليه أثره، لا من حيث كونه مصدرًا للحكم الشرعي فحسب، بل من حيث كونه سببًا لتغيير بعض الأحكام[3]، غير أن اعتدادهم بالعرف مشروط - بطبيعة الحال - بألا يكون مخالفًا لدليل شرعي أو منافيًا لروح الشريعة ومقاصدها، ومبادئ العدالة بدورها لم يغفلها فقهاء الشريعة - وما كان لهم أن يغفلوها - فهي قاعدة من قواعدها الكلية تواترت بها الآيات والأحاديث وترتب عليها كثير من الأحكام.
غير أن في الفقه رأيًا آخر ينزع إلى التضييق، ودعاته هم أهل الظاهر، وعندهم أن أحكام الشريعة لا تستمد إلا من نصوص الكتاب والسنة[4]، أما المصادر الأخرى - وهي في الجملة مردودة إلى الاجتهاد - فلا يقرونها، ويقول ابن حزم وهو أشد الناس تحمسًا لهذا المذهب: إن الشريعة كلها إما فرض يعصي من تركه، وإما حرام يعصي من فعله، وإما مباح لا يعصي من فعله ولا من تركه، وهذا المباح ينقسم ثلاثة أقسام: إما مندوب إليه يؤجر من فعله ولا يعصي من تركه، وإما مكروه يؤجر من تركه ولا يعصي من فعله، وإما مطلق لا يؤجر من فعله ولا من تركه، ولا يعصي من فعله ولا من تركه، وقال عز وجل: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فصح أن كل شيء حلال إلا ما فصل تحريمه في القرآن أو السنة[5]، ويؤكد ابن حزم ذلك بقوله: إن ما سكت عنه النبي – صلى الله عليه وسلم -، فلم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح وليس حرامًا ولا فرضًا، وإن ما أمر به فهو فرض، وما نهى عنه فهو حرام[6].
وهذا الرأي وإن خالف جمهور الفقهاء في إصراره على حظر الاجتهاد كمصدر وفي اقتصاره على نصوص الكتاب والسنة، إلا أنه يتفق مع رأي الجمهور رغم ذلك في أن الإنسان لم يترك سدى في أي شأن من شئونه.
ويقوم المذهب الظاهري كما رأينا على أنه حيث لا يوجد أمر ولا نهي، فالإباحة الأصل الذي يتعين الوقوف عنده[7]، وبذلك يمكن القول بأن فقهاء الشريعة على اختلاف مذاهبهم متفقون فيما بينهم على أن للشريعة في كل شأن حكمًا، ومن ثم فلا يتصور أن يكون لغيرها من المصادر الثانوية أمل في إمداد المشرع بأي حكم الأحكام.
ومن المحدثين من ينطلق من منطلق أهل الظاهر، ولكنه يجعل للإباحة - فيما لم يرد بشأنه نص شرعي - مفهومًا خاصًا، فهذه الإباحة حكم شرعي يختلف عن الفرض والتحريم، فهذان الحكمان ثابتان ومطلقان لا يقبلان التغيير ولا التبديل، أما إباحة ما لا نص فيه فليست إلا استصحابًا لا نهي تقييده ولا عن حظره[8] ما دامت هناك أسباب عارضة تدعو إلى تقييده أو حظره، وعندهم أن المدى المحدود لأحكام الشريعة - كما بينها الكتاب والسنة - لم يكن نتيجة سهو من الشارع سبحانه وتعالى، بل قصد بهذا التحديد أن يكون درعًا يقي الأمة خطر الجمود، فهو لم يرد أن تعالج الشريعة بالتفصيل كل ضرورات الحياة ومشاكلها التي تخطر على البال، ولكنه أراد أن يحدد بالأحكام التي نص عليها المجال الاجتماعي الذي يجب على الأمة أن تتطور في حدوده، وترك هذا العدد الهائل من المسائل القانونية المحتملة الوقوع لتعالج كل منها على ضوء مقتضيات العصر، وتبعًا لتغير الظروف السائدة، فكأن الشارع أراد من المسلمين أن يقوموا بأنفسهم بوضع التشريعات الإضافية الضرورية عن طريق الاجتهاد أي عن طريق التحليل العقلي المستقل بشرط أن يكون منسجمًا مع روح الإسلام وغاياته، أما الأحكام التي وصل إليها الفقهاء فكثير منها ليس إلا انعكاسات لزمن معين أو لحالة اجتماعية معينة، ولهذا فلا يمكن إعطاؤها صفة الصحة المطلقة والنفاذ الأبدي، وعلى هذا فالشريعة الحقيقية أكثر إيجازًا وأصغر حجمًا من ذلك البناء القانوني الذي ساهمت في تضخيمه وتوسيعه المذاهب الفقهية[9].
ومقتضى هذا الرأي أنه حيث لا يجد المشرع نصًا في الكتاب ولا في السنة فهو في حل من تنظيم المسألة على النحو الذي يراه دون أن يقيده اجتهاد مجتهد مهما علا قدره وعظمت مكانته، وإن كان ذلك لا يحول بينه وبين الاستئناس باجتهادات السلف، سواء كانت هذه الاجتهادات مجرد آراء نظرية أو سوابق تاريخية، والقيد الوحيد الذي يلتزم به المشرع هو روح الإسلام وغاياته فيما يصدر من تشريعات.
4) رأينا الخاص:
يبدو لنا أن الخلاف في هذا الشأن يعتبر على نحو ما فرعًا من أصل عام حاصله أن الحاكمية لله وحده، وربما تصور البعض أن هذا الأصل يقتضي بالضرورة اعتبار الأحكام كلها سواء من حيث انتهاؤها للشريعة وإسهامها في رسم معالمها وتحديد نطاقها، سواء كانت هذه الأحكام مقررة بنصوص خاصة في الكتاب والسنة أو مستنبطة بطريق الاجتهاد، أما أن الحكم لله وحده فقضية لا تحتمل الجدل ولا الخلاف، لكن ما يراد ترتيبه عليها يحتمل ذلك، وعندنا أن اجتناب نسبة بعض الأحكام للإنسان على مظنة أن فيها افتئاتًا على مقام الألوهية إن كان يخرجنا من محظور فإنه يوقعنا في مثله أو في أشد منه، فنحن إذ نجتهد نصيب ونخطئ مهما احترزنا، وفضلاً عن ذلك فالآراء كثيرًا ما تختلف وتتعدد، وإذا كان الأمر كذلك فإن نسبة الحكم المجتهد فيه لله لا تخلو من مخاطرة واجتراء، لأنه يمتنع أن يكون لله في الأمر الواحد غير حكم واحد، وقد حاول الإمام الشاطبي رفع هذا الحرج فقال: نحن إنما كلفنا بما ينقدح عندنا أنه مقصود الشارع لا بما هو مقصوده في نفس الأمر، فالراجحة إن ترجحت لا تقطع -أي لا تنفي - كون الجهة الأخرى هي المقصودة للشارع[10].
وإذا كانت النتيجة العملية لهذا الرأي هي التحوط لاحتمالات العدول عن الحكم المجتهد فيه إلى غيره، فأولى عندنا ألا ننسب الحكم ابتداء لله، إذ لا يجمل بنا أن نتسب إليه سبحانه مالا سبيل إلى التيقن منه، والصواب أن يقال إن الله إذ لم يورد في بعض شئوننا نصًا فقد أراد لنا أن نجتهد لاستنباط حكم تستقيم به مصالحنا المعتبرة شرعًا، والله يعلم أننا قد نصيب وقد نخطئ، لكنه ارتضى ذلك سلفًا وآجرنا عليه في الحالين، ولا يقال إن الله بذلك يكون قد تركنا سدى في بعض أمورنا؛ فهذا مردود من وجهين: الأول أن الاجتهاد لا يعني التشريع بالهوى، بل هو ينهض على أسس ويتحدد بضوابط، وشرطه عدم المعارض من نص أو أصل كلي في دين الله، وإذا كان الله قد أراد لنا أن نجتهد في هذه الأمور، فإنه لا يكون قد تركنا سدى، لأننا نجتهد بأمره ونلتزم بنهجه، والثاني أن الأمور التي لم يرد فيها نص ليست من الأمور الخطيرة التي يؤدي الخطأ فيها إلى هدم أسس الدين.
ولهذا فنحن نرى أنه تنبغي التفرقة عند تحديد نطاق الشريعة الإسلامية بين نصوص الشريعة وفقه الشريعة، فأما النصوص فملزمة، وأما الفقه فغير ملزم، والنصوص الشرعية هي ما تقررت في الكتاب والسنة، أما الفقه فيشمل كل الأحكام التي اجتهد فيها السلف، سواء كان اجتهادهم تأويلاً لنص ظني الدلالة، أو استنباطًا لحكم مسألة لم يرد فيها نص قطعي الثبوت[11].
وليس معنى ذلك إطراح فقه الشريعة والتنكر له، فهذا الفقه ثروة لا يجحد قيمتها إلا جاهل أو مكابر، فهو اجتهادات رجال أحاطوا بنصوص الكتاب والسنة ومسلك الرعيل الأول من المسلمين، وجمعوا إلى ذلك البراعة في فهم أسرار اللغة، وفطنوا إلى مقاصد الشرع، وسلس لهم زمام المنطق إلى أبعد الحدود فأولوا ما كان من النصوص قابلاً للتأويل، واستنبطوا لأهل زمانهم أحكامًا فيما لا نص فيه، وآراؤهم على اختلاف مناهجهم تشهد بقوة العارضة ودقة التحليل وروعة الاستنباط، وليس في وسع منصف يطلع على آثارهم إلا أن يقف أمامهم مبهورًا، غير أن فقههم مع ذلك كله لا يرقى من حيث قوة الإلزام إلى مرتبة النصوص، وليس فيهم من اغتر بعلمه فظن الصواب المطلق في جانبه والخطأ في جانب مخالفيه، فهذا الإمام مالك رضي الله عنه يدعوه جعفر المنصور إلى تدوين مذهبه ليحمل الناس عليه فينفر من ذلك قائلاً له: إن لكل قوم سلفًا وأئمة، فإن رأى أمير المؤمنين قرارهم على حالهم فليفعل، ثم يعيد هارون الرشيد الكرة عليه فيجيبه بقوله: إن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب.
ونخلص من ذلك إلى أن النص في الدستور على اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع، إنما يعني بالشريعة مجموعة النصوص التي وردت في الكتاب والسنة، فإن لم يجد المشرع في هذه النصوص حكمًا وسعه الرجوع إلى المصادر الثانوية الأخرى، وبهذا المعنى فالشريعة الإسلامية لا تستغرق مصادر التشريع، ولكنها تتقدمها فحسب باعتبارها المصدر الرئيسي.
5) دور المشرع في ضوء النص الدستوري الذي يجعل الشريعة مصدرًا رئيسيًا للتشريع:
وليس في وسع المشرع أن ينهض بدوره في الحالتين الأخيرتين دون الرجوع إلى الثروة الفكرية التي خلفها فقهاء الشريعة، وليس المراد بهم فقهاء عصر بعينه ولا مذهب بذاته، وإنما المراد بهم فقهاء الشريعة جميعًا على اختلاف عصورهم وتباين مذاهبهم، ولا شك في أن التوسعة على المشرع خير من التضييق عليه، لأن التوسعة عليه توسعة على الناس، والتضييق عليه تضييق عليهم، وقد أحسن واضعو الدستور صنعًا حين أغفلوا النص على وجوب التزام مذهب معين، لأنه كلما انفسح المجال أمام المشرع وتعددت بين يديه الحلول الشرعية، زادت فرصه في اختبار أنسبها لظروف مجتمعه، ولذلك فالجمع بين المذاهب غير محظور، فليس هناك ما يحول بين المشرع وبين اعتناق مذهب من المذاهب في أمر واعتناق غيره في أمر آخر، ويترتب على ذلك أنه لا تثريب على المشرع إذا هو تتبع الرخص فأخذ من كل مذهب بأهونه وأيسره، وهذا الحكم مقرر في ليبيا بصريح النص، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة في التاسع من شهر رمضان سنة ١٣٩١هـ - الموافق ٢٨ من أكتوبر سنة ١٩٧١م - قرارًا بتشكيل لجان لمراجعة القوانين وحصر واستظهار ما يناقض الأحكام القطعية والقواعد الأساسية للشريعة الإسلامية والعمل على إزالة هذا التناقض بإعداد تشريعات بديلة أخذًا من مختلف المذاهب مع تخير أيسر الحلول حسبما تقتضيه المصلحة العامة، ومع مراعاة ما جرى عليه العرف في البلاد مما له أصل في مذهب الإمام مالك.
6) النتائج القانونية المباشرة للنص الدستوري:
لا مجال للظن بأن النص الدستوري قد ورد مورد الإرشاد والتوجيه، وأنه لم يقصد به الإلزام والوجوب، فهذا الظن ينفيه من جهة أن نصوص الدستور بطبيعتها لا تحمل هذا المحمل إلا بقرينة، كما أن عبارة النص وسياقه من جهة أخرى يقطعان الطريق على مثل هذه المحاولة، وعلى ذلك فإن سلطة التشريع في دول الاتحاد لا تترخص في إعمال نص المادة السادسة من الدستور، وقد تأكد هذا الوجوب صراحة في الجمهورية العربية الليبية بقرار مجلس قيادة الثورة المشار إليه، فقد نصت المادة الأولى من هذا القرار على ما يلي: "تؤكد الجمهورية العربية الليبية على القيم الروحية وتتخذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع، ويجب مراعاة التزام المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية في كل ما يصدر من قوانين وتشريعات أخرى"، وجاء بالمذكرة الإيضاحية للقرار أن هذه المادة تعتبر متممة للإعلان الدستوري الليبي كقاعدة أساسية لدستورية القوانين والتشريعات التي تصدر في الجمهورية من الآن فصاعدًا.
وتقتضي دراسة النتائج القانونية المباشرة للنص الدستوري التفرقة بين التشريعات التالية لصدور هذا النص والتشريعات السابقة على صدوره.
7) أولاً: التشريعات التالية لصدور النص الدستوري:
لم توجب المادة السادسة من دستور دولة الاتحاد ولا المادة الثانية من الدستور المصري على المشرع تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في مجموعات قانونية، ولكنها ألزمته فحسب باتخاذ الشريعة مصدرًا رئيسيًا للتشريع، ويكشف هذا المسلك عن رغبة واضع الدستور في انتهاج سياسة التدرج في تقنين أحكام الشريعة، فحيثما تدعو الحاجة إلى سن تشريع جديد يتعين على المشرع ابتداء أن يستقبل الشريعة الإسلامية ليستمد منها أحكامه، وليس ثمة ما يلزمه بالتقيد بمذهب من المذاهب الفقهية أو تفضيله عند التعارض على غيره، ولا مجال للظن بأن المشرع الدستوري في ليبيا يؤثر المذهب المالكي على غيره من المذاهب الفقهية، لأن الإشارة إلى هذا المذهب في قرار مجلس قيادة الثورة الصادر في ٩ رمضان سنة ١٣٩١ لا تفيد هذا المعنى، فقد حدد هذا القرار للجان التشريعية اختصاصها ومنها "إعداد تشريعات بديلة أخذًا من مختلف المذاهب مع تخير أيسر الحلول حسبما تقتضيه المصلحة العامة ومع مراعاة ما جرى عليه العرف في البلاد مما له أصل في مذهب الإمام مالك".
وهذه العبارة واضحة الدلالة على أنه إذا جنح المشرع في بعض الحالات إلى إيثار المذهب المالكي على غيره من المذاهب فإنما يكون ذلك لأحد سببين: إما لأن الأخذ به في واقعة الحال يحقق المصلحة العامة أكثر مما يحققها الأخذ بسواه، وإما لأن العمل به في الواقعة قد تواتر واطرد حتى غدا عرفًا، والأخذ بحكمه في هذه الحالة ليس إلا وجهًا من وجوه التفضيل أساسه رعاية المصلحة العامة أيضًا، ومن هذا يتضح أن قرار مجلس قيادة الثورة لم يجعل للمذهب المالكي - بوصفه مذهبًا فقهيًا - منزلة تعلو منزلة غيره من المذاهب، بل سوى بينها جميعًا من حيث المبدأ.
وإذا كان الدستور يقضي باتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع، فإنه يترتب على ذلك أنه لا يجوز لتشريع وضعي لاحق لصدور الدستور أن يخالف حكمًا قطعيًا من أحكام الشريعة الإسلامية، وإلا كان هذا التشريع مشوبًا بعيب مخالفة الدستور، ووجه المخالفة فيه أن المشرع عندما أصدره أغفل الشريعة الإسلامية فلم يستمد قواعد التشريع من أحكامها، بل قدم عليها مصدرًا ثانويًا لا يصح له بحكم الدستور أن يتقدمها.
8) ثانيًا: التشريعات السابقة على صدور النص الدستوري:
قبل صدور دستور دولة الاتحاد لم يكن المشرع في كل من مصر وسوريا وليبيا ملزمًا باستقاء قواعده من موارد الشريعة الإسلامية، ولذلك فإن بعض التشريعات المعمول بها في هذه الدول تنطوي على مخالفة لأحكام الشريعة، ولم تكن هذه المخالفة فيما مضى قادحة في سلامة تلك التشريعات، غير أنه بعد صدور دستور دولة الاتحاد أصبح الموقف الآن يدعو للتساؤل: هل من المقبول أن تظل تلك التشريعات نافذة بعد الدستور كما كانت قبله رغم ما بينها وبينه من تعارض؟.
لا جدال في أن المنطق السليم يوجب رفع هذا التعارض، ولكن كيف يتم ذلك؟ هل يمكن القول بأن التعارض قد ارتفع قانونًا بصدور النص الدستوري فسقطت التشريعات المخالفة تلقائيًا، أو أن رفع التعارض بمقتضى تدخل المشرع بنفسه لتحقيق المواءمة بين الوضع التشريعي والنص الدستوري؟.
أما القول بالسقوط المباشر فمستبعد لجملة أسباب:
أولها: أن النتائج العملية لهذا الرأي على درجة من الخطورة يتحرج معها أي فقيه من الإصرار عليه، فالقول به يؤدي إلى إيجاد منطقة فراغ عريضة ينحسر عنها التشريع فتضطرب الأمور اضطرابًا شديدًا، وهذه النتيجة بذاتها تقطع بأن واضع الدستور لم يرد ترتيبها كأثر من آثار المادة السادسة وإلا لواجه الأمر بالعلاج بحكم مسئوليته.
والثاني: أن القول بالسقوط يقتضي التسليم بأن الدستور قد ألغى التشريعات التي تخالف حكم المادة السادسة، ولما كانت هذه التشريعات لم تلغ صراحة فلا يبقى إلا احتمال إلغائها ضمنًا، وهذا الاحتمال مستبعد لأن الإلغاء الضمني له صورتان لا تتوفر أي منهما، ولا محل للقول بأن التعارض القائم بين نص الدستور وتلك التشريعات يوجب إلغاءها، لأن الإلغاء الضمني لا يكفي لتقريره مجرد التعارض، بل يجب أن يبلغ هذا التعارض مبلغًا يستحيل معه الجمع بين الجديد والقديم، فأما إذا أمكن إعمال كل من الحكمين - على ما بينهما من تعارض - فلا محل لدعوى الإلغاء، والجمع على هذا النحو ممكن بين نص المادة السادسة من الدستور والتشريعات السابقة عليها ولو كانت مخالفة لها.
والثالث: أن مسلك بعض الدول العربية التي أدمجت في دساتيرها هذا النص يؤكد صحة هذا النظر، ففي الجمهورية العربية الليبية صدر قرار مجلس قيادة الثورة المشار إليه ونص في المادة الثالثة منه على تشكيل لجان لمراجعة القوانين المعمول بها واقتراح تعديلها بما يتفق مع المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للتشريع، وكلفت هذه اللجان بحصر واستظهار ما يناقض الأحكام القطعية والقواعد الأساسية للشريعة الإسلامية والعمل على إزالة هذا التناقض بإعداد تشريعات بديلة، وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القرار أن مجلس قيادة الثورة اعتنق فكرة التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك بالإبقاء على القوانين الوضعية المعمول بها في المحاكم مع البدء فورًا بمراجعة نصوصها لحصر ما يخالف الأحكام القطعية والقواعد الأساسية للشريعة الإسلامية ثم العمل على إصدار قوانين بتعديلها.
وعلى ذلك فالتعارض القائم بين نص المادة السادسة من الدستور وبعض التشريعات النافذة في كل من مصر وسوريا وليبيا ليس موجبًا لاعتبار تلك التشريعات ملغاة منذ صدور الدستور، بل يقتضي إلغاؤها تدخل المشرع لتحقيق الانسجام بين دستور الدولة وكافة تشريعاتها، وعلى الرغم من أن هذا العمل واجب يلتزم المشرع بالقيام به ولا يترخص فيه، إلا أن قعوده أو امتناعه عن القيام بهذا الواجب لا يرتب في جانبه إلا المسئولية السياسية؛ فليست هناك وسيلة قانونية لحمله على القيام بواجبه، ولذلك فمن الممكن نظريًا أن تبقى التشريعات المعارضة لأحكام الشريعة نافذة إلى ما لا نهاية، وإذا جاز الطعن بعدم الدستورية في التشريعات التالية لصدور الدستور، فهذا الطعن ممتنع بالنسبة إلى التشريعات السابقة على صدوره لأن شرط النعي على تشريع ما بعدم الدستورية أن يكون هذا التشريع قد صدر مخالفًا للدستور، وهذا يعني أن عدم الدستورية عيب يلحق التشريع منذ مولده، فلا يتصور في فقه القانون أن يكون التشريع "دستوريًا" في لحظة من الزمن و "غير دستوري" في لحظة أخرى، وإذا وقع مثل هذا التعارض بين بعض التشريعات ونصوص دستور جديد، فإن المقام يكون - على الأكثر - مقام الغاء يلزم لتقريره توافر شروطه، فإن لم تتوفر هذه الشروط وجب لرفع التعارض أن يتدخل المشرع نفسه لتعديل تشريعه.
ولذلك فالسبيل الوحيد للتوفيق بين نص الدستور والتشريعات المخالفة له في دولة الاتحاد أن ينشط المشرع نفسه أداء لواجبه وتقديرًا لمسئوليته لتعديل التشريعات القائمة بما يرفع التعارض بينها وبين أحكام الشريعة الإسلامية.
مجال التعديل في التشريعات السابقة على صدور الدستور:
لعل بعض الناس يتخوفون من أن يؤدي تطبيق المبدأ الدستوري الجديد على التشريعات النافذة إلى قلب البنيان القانوني رأسًا على عقب، وإلى إحلال نظم جديدة لم يألفها الناس محل نظم قديمة ألفوها، وقد لا يكون في وسع الناس تحمل هذه النقلة الفجائية فتضطرب حياتهم وتختل شئونهم.
وهذه المخاوف من حيث المبدأ جديرة بالاعتبار بغير شك؛ فليس باستطاعة مشرع أن يتغافل عن حقيقة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والخلقية السائدة في مجتمعه، وإلا انقطع ما بينه وبين الناس، ولذلك فإنه ينبغي على المشرع الرشيد أن يتجنب الطفرات التشريعية وألا يتخم المجتمع بنظم قانونية لم يتهيأ أفراده لقبولها، وعلى الرغم من أن هذه الفكرة صحيحة في ذاتها، إلا أن النص الدستوري لا يفضي إليها في صورتها الحادة التي يتعين اجتنابها، وذلك لسببين:
أولهما: أن النص الدستوري كما قدمنا لم يلغ التشريعات القائمة وقت صدوره، لا صراحة ولا ضمنًا، حتى تلك التي تتعارض مع أحكام الشريعة تعارضًا جليًا، وإنما ينصرف الأثر الفوري للنص إلى التشريعات التالية لصدوره، وينحصر دور المشرع بالنسبة إلى التشريعات السابقة في مراجعتها واستظهار أوجه التعارض بينها وبين أحكام الشريعة وتعديلها بما يرفع هذا التعارض، وهذا العمل يقتضي دراسة واعية ومتأنية لمختلف الآراء الفقهية وإحاطة دقيقة بظروف المجتمع وحاجاته ثم اختيارًا ذكيًا لما يوافق حكم الشرع ويحقق مصالح الناس، وأخشى ما يخشاه دعاة الرجوع إلى شريعة الإسلام أن ينزلق المشرع فيصدر تشريعات عجلى منسوبة للشريعة لم تستقص في إعدادها آراء السلف ولم يستفد مجتهدو العصر فيها كل ما في وسعهم، ولم تراع فيها ظروف العصر وطبيعة العلاقات بين أفراده وجماعاته، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، لقد عاشت معظم الشعوب العربية منذ بداية هذا القرن في ظلال قوانين أغلبها غريب الأصل والمنشأ، ولكن الناس ألفوها بمضي الزمن ونظموا حياتهم على أساسها، لأنها - أيًا ما كان الرأي فيها - تعبر عن روح العصر وتستجيب لحاجات أهله، وإنه لمن المخاطرة بمصالح الناس وباسم الشريعة الإسلامية وجلالها أن تصطنع بعض القوانين بغير رؤية وأن تطبق بلا تدبر لمدى ملاءمتها أو تقديرًا لعواقبها، فتكون ثمرة ذلك نفور الناس من الشريعة وأحكامها، وتطاول الجهال عليها، وغلو الأعداء في النيل منها، واحتجاجهم بفشلنا في فهمها وتطبيقها على عدم صلاحيتها للتطبيق.
والثاني: أن التعارض بين التشريعات القائمة والشريعة الإسلامية ليس تعارضًا شاملاً يقتضي قلب النظام القانوني كله واستئصاله من جذوره وإحلال نظام قانوني جديد محله يختلف عنه جملة وتفصيلاً، وإنما التعارض في حقيقة أمره محدود النطاق، ويمكن تقسيم التشريعات القائمة من حيث مدى اتفاقها أو اختلافها مع أحكام الشريعة أقسامًا ثلاثة: قسم يوافق أحكام الشريعة تمامًا لأنه مستمد منها مباشرة، وقسم لا يخالف أحكامها وإن لم يكن مستمدًا منها، وقسم يخالف أحكامها مخالفة صريحة.
فأما القسم الأول فيشمل مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين من زواج وطلاق ووقف ووصية وميراث، وهذه المسائل تنظمها تشريعات مأخوذة بأكملها من الشريعة الإسلامية، ومن المذاهب الفقهية على اختلاف بين الدول في تغليب مذهب على غيره وفي الجمع بين المذاهب في بعض الأحيان، ومن البديهي أن هذا القسم لن يكون عرضة للمراجعة والتعديل كأثر من آثار النص الدستوري، وإن جاز أن يكون عرضة لذلك لاعتبارات أخرى تتصل بمدى ملاءمة قواعده لظروف الجماعة المتغيرة بشرط ألا يخرج المشرع عند التعديل على النصوص القطعية ولا القواعد الكلية.
وأما القسم الثاني فيشمل الأغلبية الساحقة من التشريعات النافذة، ومن قبيلها القانون المدني والتجاري وقانون المرافعات والإجراءات وقانون العقوبات بوجه عام، فعلى الرغم من أن هذه القوانين لم تستمد أحكامها من الشريعة الإسلامية مباشرة، إلا أنها لا تتعارض في جملتها مع أصولها العامة وقواعدها الكلية، وليس في هذا التوافق غرابة؛ فأحكام الشريعة كلها إنما وضعت لمصلحة الناس، وليس من المحتم أن يضل الناس تمامًا بغير هداية من دين في تصور مصالحهم، وفي تلمس الوسائل للمحافظة عليها، وقد كان الالتفات إلى المعاني الصحيحة معلومًا في الفترات - كما يقول الشاطبي في الموافقات - واعتمد عليه العقلاء حتى جرت بذلك مصالحهم وأعملوا كلياتها على الجملة فاطردت لهم، سواء في ذلك أهل الحكمة الفلسفية وغيرهم، إلا أنهم قصروا في جملة من التفاصيل، فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، ومن هنا أقرت الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية مما كان عند أهلها محمودًا وتلك هي محاسن العوائد ومكارم الأخلاق التي تقبلها العقول، وهي كثيرة[13].
وإذن فكون بعض التشريعات المعمول بها مأخوذة من مصدر غير الشريعة الإسلامية لا يصلح في ذاته سببًا لإلغائها، لأن مناط الإلغاء أو التعديل هو تعارض أحكام التشريعات النافذة مع الشريعة لا مجرد انتمائها إلى مصدر آخر، ولذلك فهذا القسم من التشريعات سيبقى على حاله، ولن يؤدي النص الدستوري إلى إلغائه ولا تعديله، وليس معنى ذلك دوام هذا القسم ولا ثبات أحكامه، لأن ذلك مرهون بظروف المجتمع وحاجاته، فإذا دعا الأمر إلى تعديله أو إلغاء بعض أحكامه، فسوف يكون ذلك الاعتبارات موضوعية تتصل بالملاءمة، لا لاعتبارات قانونية مبناها التعارض.
وأما القسم الثالث فينحصر في قلة من التشريعات المخالفة لنصوص الكتاب والسنة، وهذا القسم لا مناص من إلغائه أو تعديله على نحو ترتفع به المخالفة، ولعل أظهر تشريعات هذا القسم تلك التي تعالج جرائم الحدود والقصاص وموضوع الربا، وهذه التشريعات لدقتها البالغة وآثارها الاجتماعية الخطيرة توجب على المشرع أن يكون حريصًا كل الحرص متأنيًا إلى أقصى حد، وأن يقلب الأمر على مختلف وجوهه، وأن يهيئ المناخ الصالح لتطبيق أحكام الشريعة قبل أن يؤخذ الناس بها، وإلا ساءت العاقبة، وكان إفراطنا في الحرص على الشريعة جناية عليها من حيث لا ندري، وليس من الإنصاف أن تلقي على المشرع وحده تبعة تهيئة المناخ لتطبيق أحكام الشريعة، فهناك آخرون يحملون جانبًا من هذه التبعة، وعلى رأسهم المتفقهون في الدين، والمشتغلون بالقانون، والمعنيون بشئون الاقتصاد وغيرهم. وليس المطلوب من هؤلاء مخاطبة الجماهير بالعواطف الملتهبة ولا بالمبررات الساذجة السطحية، وإنما المطلوب منهم أن يقوموا بدراسات جادة تجمع إلى التعمق في فهم نصوص الشريعة ومقاصدها البصر الحاد بظروف العصر وحاجات أهله وتكون عونًا للمشرع على إخراج أحكام الشريعة للناس على هيئة لا تمسخ النصوص ولا تجافي روح الإسلام، ولا تبدو في الوقت نفسه عبئًا على المجتمع يؤوده حمله ويثقل خطاه ويقعد به عن تحقيق ما يسعى إليه من تقدم.
9) هل تصبح الدولة بعد النص الجديد دولة ثيوقراطية؟
النص في الدستور على اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع سيؤدي بطبيعة الحال إلى تنظيم الدولة على أسس إما مستمدة من الشريعة الإسلامية أو غير مخالفة لأصولها، ولن يتاح لنا تحقيق هذا الهدف إلا إذا وضحت لنا أحكام الشريعة تمام الوضوح. فهل يعني ذلك استئثار رجال الدين بمهمة التشريع، وبالتالي بالسيطرة على أجهزة الحكم في الدولة، بحيث تصبح الدولة في عهدها الجديد دولة ثيوقراطية؟.
يحسن قبل الإجابة على هذا السؤال أن نحدد المقصود بالثيوقراطية، فهذا المصطلح ينصرف إلى أحد معنيين: أولهما أن الثيوقراطية نظام يستمد تشريعاته من القوانين الإلهية، والثاني أنها نظام تستأثر طبقة رجال الدين بالسلطة السياسية العليا فيه، وإذا وقفنا عند المفهوم الأول فلا شك في أن النص الدستوري الجديد قد جعل الدولة ثيوقراطية لأنه أوجب على السلطة التشريعية فيها أن تستمد تشريعاتها بصفة أساسية من أحكام الشريعة الإسلامية، أما إذا أريد بالثيوقراطية معناها الثاني فإن الدولة الجديدة لن تصبح ثيوقراطية بأي حال، وإذا كان مفهوما الثيوقراطية في الغرب متلازمين، فالتلازم بينهما في النظام الإسلامي غير قائم، فليس في الإسلام طبقة متميزة تختص بالعلم بأحكامه وإقامة شعائره، بل إن الإسلام لا يعرف طبقة من بنيه يوصفون بأنهم رجال الدين، إن الإسلام دين واضح المعالم، حلاله بين وحرامه بين، وليس له سدنة ولا كهنة، ولا أحبار فيه ولا رهبان، وقد نزل الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا في قلب صحراء العرب، فوعاه رجل البادية على ما به من سذاجة وتوسط في الفهم والتحصيل، أما الفروع والتفاصيل التي لحقت أحكامه فيما تلا ذلك من عصور فليست إلا اجتهادات أملاها اختلاف ظروف الزمان والمكان واختلاف مناهج الفقهاء، وإذا كان الإسلام يحض على العلم فإنه لا يحصر هذا العلم في فئة من الناس، بل يجعل طلبه فرضًا على الناس كافة.
وبهذا المعنى فالاجتهاد في الدين مفتوح لكل مسلم، والمشاركة في التشريع حقٌّ لأفراد الشعب كله، غير أن الاجتهاد ليس فوضى بلا ضابط، وإذا كنا ننكر تقسيم الناس إلى رجال دين ورجال دنيا فإننا لا نتردد لحظة في قصر الاجتهاد على المتفقهين في أمور الدين، وليس في هذا التحفظ نقض للمبدأ بل هو من لوازمه؛ فالدولة على سبيل المثال لا تسمح لمن لم يدرس الطب بعلاج المرضى، ولا لمن لم يدرس القانون بممارسة المحاماة أو تولي القضاء، والاجتهاد في الدين ليس أقل من ذلك خطرًا، فلا ينبغي أن يتصدى له من كان غير أهل لذلك، وهذا يفرض على رجال القانون أن يلتفتوا إلى أحكام الشريعة وأن يعكفوا على دراستها حتى يتاح لهم القيام بدورهم في ظل النظام الجديد الذي رسم الدستور معالمه، وليس من حقهم أن يقعدوا عن أداء واجبهم ثم يجأروا بالشكوى خوفًا من أن تصبح الدولة ثيوقراطية.
10) الشريعة الإسلامية والدولة العصرية:
تسود الفكر المعاصر نزعة قوية تنفر من بناء الدولة على أساس ديني، وسوف يؤول النص القاضي باتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع على أنه اتجاه واضح لإقامة الدولة على هذا الأساس، ويخشى أن يؤدي هذا الاتهام إلى تهيب المشرع من المبادرة إلى وضع النص الدستوري موضع التنفيذ، ومن ثم إلى تجميده بحجة أو بأخرى، وهذا الاتهام لن يصدر من خارج الدول العربية فحسب، بل إن فريقًا من المثقفين المسلمين في الوطن العربي نفسه لا يكتمونه، وهنا وجه الخطر.
فأما الدول الأجنبية فأسباب اعتراضها معروفة، ومن هذه الأسباب أن تاريخ الدول التي قامت في الماضي على أساس ديني يكشف عن مقاومة رجال الدين للعلماء والمفكرين عامة واضطهادهم إياهم، وعن احتماء الحكام بستار الدين وانحرافهم بالسلطة تحت وهم الاعتقاد بالحق الإلهي في تولي الحكم، ومن هذه الأسباب كذلك الخوف من تعصب الدول الدينية ضد من لا يدينون بدينها، سواء كانوا أقلية من مواطنيها أو رعايا دول أجنبية، وفضلاً عن هذه الأسباب فإن "الدولة الإسلامية" بوجه خاص تلقى اعتراضًا شديدًا من دول الغرب ومقاومة عنيدة ظاهرة أو خفية؛ فما زالت دول الغرب تحتفظ بذكريات تاريخية قديمة ترجع إلى عهد انتشار الدعوة الإسلامية واقتحامها القارة الأوربية، ولعلهم هناك يخشون أن تقوم في المنطقة العربية دولة إسلامية حقيقية يشتد ساعدها يومًا فتعيد الكرة وتقدم على مغامرات عسكرية لاستعادة المناطق التي دخلتها الجيوش الإسلامية واستقر فيها المسلمون فترة من الزمن.
ولعل فريقاً من المسلمين أنفسهم يذكون بتزمتهم هذه المخاوف لدى الغير المسلمين ولدى المثقفين المسلمين على السواء، فهؤلاء المتزمتون يتصورون ويصورون الدولة الإسلامية الحديثة على النحو الذي سجلته السوابق التاريخية في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد بني أمية وبني العباس، حيث كان الخليفة يجمع في بده مقاليد كل الأمور ويتصرف في مختلف شئون الدولة باعتباره رأس السلطة التنفيذية والتشريعية - فيما يقتضي اجتهادات والقضائية أيضًا، ومن هؤلاء المتزمتين من يتصور الجهاد ويصوره على أنه حرب مقدسة ضد كل من لا يدين بالإسلام حتى يسلم أو يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ومنهم من يتصور ويصور غير المسلمين في داخل الدولة على أنهم فئة منبوذة ليس لهم من الحقوق إلا ما يجود به الخليفة أو أمير المؤمنين، وذلك كله خليق بإثارة الخواطر في الخارج والداخل ضد فكرة الدولة الإسلامية.
والدولة المسلمة بريئة من ذلك كله، فالإسلام الحق لا يخيف أحدًا من رعايا الدول الأجنبية ولا من المواطنين غير المسلمين، وكل ما يلصقه بعض الناس بالإسلام من تهم يرجع في الحقيقة إما إلى كيد ومغالطة، أو إلى جهل أو تزمت.
وما ينبغي أن يعزب عن بالنا أن كثيرًا من وجوه اعتراض الغرب على قيام الدولة الإسلامية مرده إلى حرف حقيقي على مصالحه من قيام الدولة المسلمة، فالدول التي بدين السواد الأعظم من شعوبها بدين الإسلام هي ذات الدول التي تحوي أرضها ثروات وموارد يحرص الغرب على الحصول عليها ولو اقتضاه ذلك خوض غمار حرب، وهذا الخوف يحتم على الغرب أن يروج للتنفير من إقامة دولة في هذه المنطقة على أسس دينية، لأن الإسلام ينكر على أهله الرضا بالتخلف والمذلة وقبول الاستغلال، ولو قامت في المنطقة العربية دولة مسلمة بالمعنى الصحيح لساخت قوائم الغرب فيها بلا مراء، وفضلاً عن ذلك فإنه لا يسعنا كمنصفين أن نتوقع من الغرب نسيان التاريخ القديم وتجاهل قيام دولة مسلمة قد تصبح منطقة جذب لسائر الشعوب الإسلامية لتكون منها في المستقبل دولة إسلامية كبرى يخشى الغرب منها - خطأ أو صوابًا - أن تعيد الكرة فتبعث الماضي من جديد.
والدليل على أن دعوى الغرب ليست نابعة عن أيديولوجية أصيلة أن دوله - بإقرار من جماهير شعوبها - قد باركت قيام دولة في قلب الوطن العربي ترتكز دون مواربة على العقيدة الدينية وحدها، ويضم شعبها أخلاطًا من البشر لا يربطهم غير الانتماء للدين اليهودي، ولم يقف الغرب من هذه الدولة موقف الاستنكار أو اللامبالاة، بل أيدها تأييدًا سافرًا وحضها على التوسع والعدوان وأمدها بعونه السياسي والمالي، ودعم قدرتها بما لديه من خبرة وسلاح.
فالاعتراض على مبدأ قيام الدولة على أساس ديني هو اعتراض سقطت أقنعته وبدا على حقيقته، فهو ليس اعتراضًا على المبدأ ذاته، ولكنه ذريعة لإبقاء البلاد العربية على وضعها الراهن للإفادة من حالة الضياع والتمزق التي يعدها الغرب أفضل حال بالنسبة إليه.
وإذا كان اعتراض الأخرين يحمل في ذاته عناصر الشك في أمانته وصدقه، فإن دعاوى المتزمتين من المسلمين هي مكمن الخطر الحقيقي، لأن فهم هؤلاء المتزمتين للإسلام وعرضهم إياه على الناس يشوه بعض ملامحه، ويجعل لمن لم تتح لهم الظروف دراسته - نصًا وروحًا - عذرًا كبيرًا في التخوف من قيام الدولة عليه، وليس المقام هنا مقام الرد على تلك الدعاوي لاتصالها بأمور خطيرة لا يمكن إبداء الرأي فيها في بحث كهذا، وقد وضع الدستور كل المخلصين للإسلام أمام مسئولية تاريخية جسيمة عليهم أن يحملوها بأمانة، وأن يظهروا الإسلام على حقيقته دينًا حنيفًا لا يرضى بالظلم ولا بقر المحاباة، بل يوزع العدل بين الناس بالقسطاس المستقيم.
11) أثر اختلاف المذاهب الفقهية على حركة التقنين:
تاريخ الفكر الإسلامي وواقعه يثبتان أن الفقه الإسلامي ليس مذهبًا واحدًا بل مذاهب متعددة، وقد يبدو هذا التعدد عقبة أو في الأقل مدعاة للتردد في الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية، وذلك لأسباب ثلاثة:
أولها: أن تعدد المذاهب يعني اختلافها، وهذا التعدد قد يحمل البعض على التساؤل: ما هذه المذاهب الفقهية المتعددة، السائد منها والبائد، أهي شريعة واحدة أم شرائع متعددة، وهل فيها من الأحكام المتفق عليها ما يجعلها نظامًا واحدًا خليقًا بأن يرد إلى الإسلام ويحمل اسمه، أو أنها توجيهات عامة يمكن أن توحي ينظم متعددة؟ وذلك باختصار يعني الشك في أصالة الشريعة كنظام قانوني له أصول واحدة وثابتة.
والثاني: أنه بافتراض التجاوز عن هذا الاعتبار فإن المشرع سوف يلفى نفسه في حرج إزاء تعدد المذاهب، فبأيها يأخذ وأيها يدع؟ وبعبارة أخرى كيف السبيل إلى تقنين أحكام الشريعة الإسلامية؟ هل ينبغي حفاظًا على الوحدة الفكرية أن يعتنق المشرع مذهبًا واحدًا يستمد منه كل أحكامه، أو يمكنه بغير مخاطرة أو خشية من تضارب الأسس أن يجمع بين مذاهب متعددة؟.
والثالث: أن المسلمين في مختلف بلادهم لا يتبعون كلهم مذهبًا واحدًا من المذاهب الفقهية، بل تسود بعض المذاهب في مناطق معينة ويسود غيرها في مناطق أخرى، وأكثر المذاهب انتشارًا في الوقت الحاضر هو الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وكذلك مذهب الشيعة، والشيعة نفسها فرق، منها الإمامية والزيدية والإسماعيلية، ورغم ما هو معروف عن الإسلام من سماحة فإن كثيرًا من معتنقي هذه المذاهب قد لا يرحبون بالتخلي عن مذهبهم كله أو بعضه لو استقر الرأي على توحيد أحكام الشريعة وأخذ الناس جميعًا بها، وقد يكون مرد هذا الموقف إلى أن أتباع كل مذهب ألفوه، فهم ليسوا على استعداد للتخلي عنه، وقد يبلغ الأمر ببعضهم حد التعصب فيسيء الظن بالمذاهب الأخرى، وللمشرع عذره إن طاف بذهنه احتمال نشوب فتن طائفية لو أنه هم بإطراح بعض المذاهب أو بإطراح أحكامها في بعض المسائل وتقديم غيرها عليها، ومجتمعنا العربي الراهن متخم بأسباب الخلاف، ومنها ما يصطنع اصطناعًا بتدبير قوى كثيرة معادية، ولهذا فقد يقال في هذا المقام حسبنا ما تعاني من مشاكل فلا توقظوا فتنًا غافية.
وعلى هذا النحر فإن تعدد المذاهب في الوطن العربي يكشف لنا عن ثلاثة محاذير: أولها يتصل بمدى أصالة الشريعة ووحدة أحكامها، والثاني يتصل بمشكلة الصباغة ذاتها، والثالث بالخشية من نشوب فتن مذهبية.
ولسنا نرى هذه الأسباب جميعًا على درجة من الصحة أو الخطورة تحول دون الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية.
(أ) فاختلاف المذاهب بوجه عام ليس اختلافًا على الأسس، ولكنه اختلاف في الفروع ولسنا، نقرر ذلك تهوينًا للمشكلة، فأئمة المذاهب جميعًا متفقون على أن القرآن أوحي به إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وأنه ما زال على حاله يوم نزل لم يلحقه تغيير ولا تحريف. وهم جميعًا متفقون على كل سورة من سوره وكل آية من آياته، وكل كلمة من كلماته، بل إنه لا خلاف حتى على ترتيب سوره، وهم كذلك متفقون على وجوب العمل بكل حديث ثبتت صحته، وإنما ينحصر الخلاف بين الأئمة في تفسير بعض آيات القرآن، وفي مدى قبول بعض الأحاديث، وفي تفسير بعض ما اتفقوا على ثبوته منها، والخلاف الواضح بينهم يتصل في الحقيقة بما عدا القرآن والحديث من أدلة، فمنهم من يتشدد في قبول أدلة أخرى، ومنهم من يرفضها أصلاً، ومنهم من يتوسط، ويبدو أثر هذا الخلاف واضحًا بالنسبة للإجماع والقياس والاستحسان.
وإذا كان الاتفاق تامًا بين الفقهاء على وجوب العمل بنصوص الكتاب والسنة، وكان الكتاب محفوظاً منذ نزل على النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يحرف منه نص ولم تبدل منه كلمة، وكانت السنة بدورها مدونة بنصوصها في صحاح الكتب ومحققة وفقًا لضوابط دقيقة بل صارمة، وكانت أسس الشريعة مقررة في هذين المصدرين، فإن أي اختلاف بعد ذلك معروفة أبعاده، وأغلب ما تعالجه المصادر الأخرى التي اختلف الفقهاء فيها مسائل فرعية، واختلافهم فيها لا ضير منه، بل هو عظيم القائدة، وهو امتياز للشريعة لا عيب فيها، دليل على خصوبتها وحيويتها وعلى اتساع صدرها لحرية البحث والاجتهاد والتيسير على الناس.
ولا نرى وجهًا للخوض تفصيلاً في بيان أسباب اختلاف المذاهب ولكننا نقرر مع ذلك أن هذا الخلاف لم يكن كله اختلافًا حول طرق الاستنباط، بل إنه كان في كثير من الأحيان نتيجة لاختلاف ظروف الزمان أو المكان، وحسبنا دليلاً على ذلك ما حدث للمذهب الشافعي من تطور، فقد بدأ الإمام الشافعي تلميذًا للإمام مالك في المدينة، ثم استقل عنه واجتهد، ولما رحل إلى العراق أخذ عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة، ثم أنشأ مذهبه الأول في العراق، ولما قدم إلى مصر أرسى دعائم مذهبه الجديد فيها.
من ذلك يتضح أنه لا وجه للمبالغة في تقدير دلالة التعدد في المذاهب الفقهية، فالاتفاق بينها تام حول الأسس والخلاف بينها محصور في الفروع، وإذن فنحن أمام نظام قانوني متفق على أسسه، أما الخلاف بين فقهائه فأشبه بما نراه اليوم بين الفقهاء المعاصرين وما نلمسه في أحكام القضاء حول تفسير وتطبيق نصوص القانون. ولم يقل أحد بأن كل من نحا من هؤلاء نحوًا فقد ابتدع نظامًا قانونيًا مختلفًا، وعلى ذلك فاختلاف المذاهب إنما هو اختلاف دائر في فلك نظام قانوني واحد، وليس اختلافًا بين نظم قانونية متعددة.
(ب) وإذا انتهينا إلى هذه الحقيقة زال ما قد يظن من عسر الصياغة، فالحاجة إلى بذل الجهد في الصياغة إنما تعن بصورة خاصة بالنسبة إلى المسائل المختلف فيها، وولي الأمر في سعة من الأخذ بما قرره هذا المذهب أو ذاك[14]، فكل ما قررته المذاهب المختلفة فيما لا نص فيه أو فيما فيه نص مختلف على تفسيره ليس إلا اجتهادًا ممن توفرت فيهم شروطه، ومن حسن جد الشريعة الإسلامية أن قبض الله لها فقهاء أفذاذًا وعوا أحكامها وأدركوا مقاصدها، وعاشوا مشاكل الناس التي تتنوع وتتجدد، وأفتوا فيها بما يحقق للناس مصالحهم ولا يتعارض مع دينهم، ومن رحمة الله بنا أيضًا أن ظهرت تلك المذاهب في أمكنة وأزمنة مختلفة، ولهذا فالقيمة الكبرى لتعدد المذاهب في اعتقادنا أنها خلفت لنا تراثًا زاخرًا ورائعًا تستطيع أن تنهل منه كما نشاء، ونحن إذ نفعل ذلك فإنما ننهل من ينابيع صافية مصدرها جميعًا واحد، وهو شريعة الإسلام ومناط الاختيار حين نختار هو ما تقتضيه ظروف الجماعة التي تتحدد بالزمان وبالمكان، وذلك ما ينبغي أن نضعه دائمًا نصب أعيننا بغير تعصب لمذهب ضد مذهب، ولا ينبغي لنا أن تقتصر على المذاهب الأربعة المشهورة، أو عليها وعلى مذهب الشيعة، بل يتعين علينا أن نسوي بين المذاهب جميعًا حتى التي تفتقر إلى أتباع، لأن الحكمة ضالة المؤمن، وليست هذه الدعوة جديدة في مجال التشريع تمامًا، فكثير من التشريعات الوضعية التي استمدت من الشريعة الإسلامية أخذت بآراء من مذاهب مختلفة رغم اعتمادها بصفة أساسية على أحد المذاهب الفقهية، ولا نرى داعيًا للتمثيل فالمقام لا يحتمله، والمسألة أوضح من أن تخفى على أحد.
وإذن فالجمع بين المذاهب في حدود المصلحة العامة ممكن ومستحب بغير خوف من تضارب في الأسس أو إخلال بالوحدة الفكرية للنظام القانوني المرتجى.
(جـ) أما الخوف من اندلاع نار الفتن وإذكائها على يد الأعداء والذين في قلوبهم مرض فمشكلة سياسية خالصة لا ترتبط بتعدد المذاهب ارتباط النتيجة بالسبب، فالتعصب المذهبي ليس من ضرورات التعدد في المذاهب، ومع ذلك فالواجب يقتضينا مواجهة المشكلة لا تجاهلها أيا ما كانت طبيعتها، لأن عملنا لا ينحصر فحسب في الدفاع عن صلاحية الشريعة للتطبيق، ولكنه يتسع كذلك لبحث مدى إمكان هذا التطبيق، وشرف المسئولية يحتم على كل داعية أن يضع في اعتباره الصعاب المادية التي تواجهه حتى لا تنتكس دعوته لهذا السبب فيغم الأمر على الناس ويختلط لديهم عدم الإمكان بعدم الصلاحية.
والسبيل في اعتقادنا لمواجهة هذا الاحتمال متعدد المسالك، وأولها التبصرة والتوعية، وثانيها جمع المذاهب في نظام قانوني واحد، وثالثها النزول على الواقع عند الضرورة وحيث تدعو المصلحة، ورابعها الحزم في مواجهة الذين في قلوبهم مرض أو على أبصارهم غشاوة.
والتوعية ليست مهمة السلطة وحدها، بل هي فرض على كل قادر، وأولى الناس بالمبادرة إليها هم دعاة العمل بأحكام الشريعة، وقد يكون مفيدًا أن تبدي بإيجاز بعض الملاحظات:
1 - أن التعصب لمذهب معين ومناوأة غيره عند الأخذ بأحكامه في بعض المسائل الجزئية ليس من الدين في شيء، ومما يبطل دعوى المتعصبين أنهم قبلوا الخضوع طويلاً لقوانين ليس بينها وبين الشريعة نسب، بل إن منها ما يناقض أساسها كل المناقضة، فكيف يسوغ لهم التمرد على تطبيق مذهب فقهي غير مذهبهم في أمور فرعية؛ ومهما اختلفت المذاهب فلن تبلغ شقة الخلاف بينها مبلغ ما بين كل منها والقوانين الوضعية، وعلى هؤلاء أن يدركوا أن تعصبهم لن يؤدي بالضرورة إلى الأخذ بمذهبهم، وعلى الأخص إذا سلك الآخرون مسلكهم، وذلك سوف يفضي بداهة إلى التوقف كلية عن الأخذ بأي مذهب - درءًا للفتنة - وإلى إبقاء القوانين الوضعية نافذة، ولمن يرحب بهذه النتيجة أو يقبلها أن يحكم على نفسه بنفسه، وأن يسأل ضميره عن مدى إخلاصه لدينه.
۲- على أتباع كل مذهب أن يفقهوا طبيعة دينهم، وأن يقفوا طويلاً أمام قول ربهم: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله﴾، وإذا كان المسلم مكلفًا بألا يفرق بين الرسل فكيف يستحل لنفسه التفرقة في داخل دينه بين مذهب ومذهب، والمتفق عليه أن الأئمة جميعًا كانوا قدوة في صلاحهم قبل أن يكونوا قدوة في علمهم، ومنهم من تلقى العلم على صاحبه قبل أن ينشئ مذهبه، ولم يعرف عن أحدهم أنه قدح في غيره، لا في تقواه ولا في علمه، وهم جميعًا مجتهدون مأجورون، سواء قدرنا على بعضهم الصواب أو الخطأ، وإذن فاختلافهم في مواطن الخلاف مقبول ومحتمل، والعمل جائز برأي أي منهم.
٣- أن المذاهب المختلفة تأثرت ببعضها إلى حد كبير، بل إن مجتهدي المذهب الواحد سوغوا لأنفسهم مخالفة إمامهم وموافقة غيره من الأئمة في بعض المسائل، وذلك واضح كل الوضوح في المذهب الحنفي، فقد أفتى أبو يوسف ومحمد بخلاف ما أفتى به أبو حنيفة في بعض الأمور، وابن رشد من المالكية وابن قدامة من الحنابلة يخالفان مذهبهما في بعض الأحكام ويوجهان غيره من المذاهب، وإذا كان اختلاف الرأي وجواز العمل بأي رأي قال به المجتهد مقبولاً في نطاق المذهب الواحد، فكيف لا يقبل الخلاف بنفس السماحة ويقبل العمل برأي هذا الإمام أو ذاك!.
أما جمع المذاهب في واحد فلسنا نعني به قطع الجدال أو منع اختلاف الرأي مستقبلاً في أحكام الشريعة، فذلك أمر ينافي طبيعة الشريعة ذاتها.
ولكننا نعني جمع المذاهب في واحد يؤخذ الناس جميعًا به في وقت واحد، على أن يجتهد مع ذلك من يشاء في المسائل التي تحتمل الاجتهاد، فإذا اتضح صواب المجتهد ووافقه أغلب المجتهدين جاز العدول إلى رأيه. فالمقصود بتوحيد المذاهب توحيدها في مرحلة التقنين لا التوحيد الفقهي ولا الحجر على حرية الفكر والاجتهاد مستقبلاً، وقد تكون نقطة البدء في هذا المجال عقد مؤتمر يضم ممثلين لمختلف المذاهب السائدة، والذين لا يلتزمون بمذهب معين وتحميلهم على رؤوس الأشهاد مسئولية الاتفاق على الأحكام الشرعية الواجبة التطبيق في ضوء ظروف العصر وحاجات الجماعة، وبغض النظر عن المذهب الذي تستقى من تلك الأحكام.
ولقد يكون الطريق إلى تحقيق هذا المطلب في الوقت الحاضر غير ممهد، غير أن ذلك لا يقتضي بالضرورة الكف عن تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، فالأمة العربية مقسمة في الوقت الحاضر إلى دول، ولكل دولة سيادتها الكاملة، ولها تبعًا لذلك أن تسن من القوانين ما تشاء وفقًا لما تقتضيه مصلحتها ولما يتفق مع ثقافتها وتقاليدها، وتعدد الدول العربية على هذا النحو من شأنه أن يبطل الأثر السيء الذي قد يترتب على تعدد المذاهب الفقهية، فكتلة الشعب في كل دولة تنتمي في الغالب إلى مذهب واحد، باستثناء قلة من هذه الدول، ومن اليسير على كل دولة أن تقنن الأحكام الشرعية، وأن تأخذ في مواطن الخلاف بمذهب شعبها أو بغيره وفقًا لما تراه محققًا حاجة الجماعة وملائمًا لظروفها.
وسوف تكون هذه التجارب خصبة بغير شك، وسوف نجني جميعًا ثمارها، ويوم يأذن الله للعرب بتحقيق وحدتهم الكبرى فسوف تكون هذه التجارب رصيدًا ضخمًا يستمدون منه قانونهم الموحد.
وإذا تبين بعد ذلك أن هناك فئة من الناس تثير الفتن تحت شعار المذهب، إما بغية قطع الطريق على تقنين أحكام الشريعة، أو من جهالة وتصور خاطيء لمدى ما ينبغي أن يكون عليه الولاء للمذهب، فلا مناص أن تقف الدولة موقف الحزم منهم دون خوف من أن يحمل ذلك من جانبها محمل الاضطهاد.
رابط مباشر لتحميل نسخة من البحث بي دي إف
* مبحث مستل من كتاب "دراسات في الفقه الجنائي الإسلامي"، للدكتور عوض محمد عوض، الكويت: دار البحوث العلمية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1403هـ/1983، ص11-49.
[1] هذه هي الصيغة الراهنة للنص، وقد عدلت تعديلاً طفيفًا في ١٩٨٠، وكانت قبل التعديل كما يلي: "الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع".
[2] انظر الدكتور حسن كيرة، أصول القانون، الطبعة الأولى سنة ١٩٦٠، ص ۱۱٦ و۱۱۷، والدكتور توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية، سنة ١٩٧٦، ص ١٨٤ - ١٨٦ .
[3] ومن الفقهاء من يتحفظ فلا يعتبر العرف منشئًا لأصل الحكم، بل يعتبره مجرد سبب للانتقال بالواقعة من حكم إلى حكم. فقد جاء في الموافقات للشاطبي: أعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما في البلوغ مثلاً، فإن الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ تم ثبوته بعده فليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في الشواهد، وكذلك الحكم بعد الدخول بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناء على العادة، وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضًا بناء على نسخ تلك العادة، ليس باختلاف في حكم، بل الحكم أن الذي ترجح جانبه بمعهود أو أصل فالقول قوله بإطلاق، لأنه مدعى عليه، وهكذا سائر الأمثلة، فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق. الموافقات للشاطبي – جـ 2 ص285-286.
[4] أما بقية المصادر فلا يسلم بها الظاهرية، وإذا كانوا يعترفون بصورة خاصة من الإجماع وهو إجماع الصحابة فذلك لا يعني إقرارهم بالإجماع كمصدر بمفهومه السائد لدى الجمهور، وهو أنه اتفاق مجتهدي الأمة على حكم لم يرد به نص، وإنما يسلم الظاهرية بإجماع الصحابة لا بوصفه اجتهادًا منهم في استنباط حكم، بل بوصفه نقلاً متيقنًا متصلاً وثابتًا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، لأنه لا إجماع بلا توقيف، وبهذا المعنى فالإجماع الذي يسلمون به يدخل في إطار السنة بمفهومها العام. انظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم جـ٤ ص ۵۰۹ و۵۳۰.
[5] المحلي لابن حزم - جزء أول ص ٦٢ و63.
[6] المحلي - المرجع السابق ص ٦٤.
[7] يقول ابن حزم: اعلموا أن قولهم هذه المسألة لا نص فيها قول باطل وتدليس في الدين لأن كل ما لم يحرمه الله تعالى على لسان نبيه –صلى الله عليه وسلم - إلى أن مات عليه السلام فقد حلله بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وكل ما لم يأمر به عليه السلام فلم يوجبه. الإحكام في أصول الأحكام جـ ٤ ص ٥٠٤.
[8] وهذه الفكرة ليست جديدة في أساسها، فقد فرق بعض الفقهاء من زمن بين المباح والعفو، يقول الشاطبي: يصح أن يقع بين الحلال والحرام مرتبة العفو، فلا يحكم عليه بأنه واحد من الخمسة المذكورة (وهي الحلال والحرام والمندوب والمكروه والمباح) والعفو هو ما سكت عنه. ويقول: إن العمل بما هو مسكوت عن حكمه فيه نظر، فإن خلو بعض الوقائع من حكم الله مما اختلف فيه، فأما على القول بصحة الخلو فيتوجه النظر، وهو مقتضى الحديث "وما سكت عنه فهو عفو"، وأما على القول الآخر فيشكل الحديث، إذ ليس ثم مسكوت عنه بحال، بل هو إما منصوص عليه أو مقيد على منصوص، والقياس من جملة الأدلة الشرعية، فلا نازلة إلا ولها في الشريعة محل حكم، فانتفى المسكوت عنه إذن، ويمكن أن ينصرف السكوت على هذا القول إلى ترك الاستفصال مع وجود مظنته، وإلى السكوت عن مجاري العادات استصحابها في الوقائع، وإلى السكوت عن أعمال أخذت من قبل عن شريعة إبراهيم. الموافقات جـ ١ ص ١٦٠ و١٧٣.
[9] انظر في عرض هذا الرأي: منهاج الإسلام في الحكم - محمد أسدا، بیروت 1967 ص ۳۲ وما بعدها.
[10] الموافقات جـ ٢ ص ٣١ – ٣٢. ويعقب الشيخ دراز على ذلك بقوله: الحكم الشرعي بالنسبة للمجتهد هو ما انقدح في نفسه، وحينئذ يمكن تعدد الحكم الشرعي في الواقعة الواحدة، وهذا هو رأي المصوبة حيث قالوا إن كل صورة لا نص فيها ليس لها حكم معين عند الله، بل ذلك تابع لظن المجتهد، وعلى هذا يكون الإمكان الثاني مبنيًا على قاعدة المصوبة، والإمكان قبله على قاعدة المخطئة.
[11] وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد مصطفى شلبي: كثيرًا ما خلط الناس بين الشريعة والفقه، وظنوا خطأ أن ما نقل عن الأئمة المجتهدين من اجتهادات هو نفس الشريعة. والشريعة هي مجموعة الأحكام التي أنزلها الله على رسوله على هيئة نصوص عامة في كتاب الله وسنة رسوله. وأما الفقه الإسلامي فهو مجموعات الأحكام العملية المشروعة في الإسلام سواء كانت شرعيتها من النص الصريح من القرآن والسنة أم من الإجماع أم من استنباط المجتهدين من النصوص والقواعد العامة. فأغلب ما يسمى بالفقه الإسلامي جاء وليد اجتهاد المجتهدين وتطبيقهم لنصوص الشريعة وقواعدها، مراعين في ذلك اختلاف البيئات والأعراف. ومن هنا أتى الاختلاف في الفقه الإسلامي وهو لا يؤدي إلى الاختلاف في الشريعة والتناقض فيها، لأن القواعد لا تتناقض. المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي سنة ١٩٥٩ ص ١٤٢.
[12] انظر في هذا المعنى: مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف - دار القلم بالكويت - سنة ۱۹۷۰ ص ۱۱ - ۱۳، وراجع في هذا الشأن أيضًا محاضرة للسيد/ أبي الأعلى المودودي عن تدوين الدستور الإسلامي، منشورة ضمن محاضرات أخرى له في مؤلف بعنوان "نظرية الإسلام وهديه" دمشق سنة 1967 ص ٢٦٢ ومن بعدها.
[13] الموافقات للشاطي جـ ۲ ص 285 و286. وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمود شلتوت: "ولم يكن القرآن مبتكرًا في كل ما جاء به من الأحكام العملية، بل كثيرًا ما جاء مهذبًا لطرق التعامل الذي تقتضيه طبيعة الاجتماع أو منتقبًا لأكمل ما كان موجودًا منها في تحقيق الغرض المقصود منه ... وقد جاء التشريع الإسلامي وللعرب عرف ومعاملات وأحكام وعبادات، فأقر القرآن كثيرًا مما درجوا عليه في هذه الشئون وهذب فيها وعدل وألغى وبدل، وليس ذلك مما يضير القرآن في تشريعه واستقلاله، فما كان الإسلام إلا دينًا يراد به تدبير مصالح العباد وتحقيق العدالة وحفظ الحقوق، ولم يأت ليهدر كل ما كان عليه الناس ليؤسس على أنقاضه جديدًا لا صلة له بفطرة البشر وما تقتضيه سنن الاجتماع، وإنما كان ينظر إلى الأشياء من جهة ما فيها من مصالح ومضار، فما كان منها صالحًا أبقاه وأقره كالقسامة والديات، وما كان منها ضارًا مفسدًا للحال أو للاجتماع أو للأسر نهى عنه وحرمه، وما احتاج منها إلى التنقيح والتهذيب أدخل عليه من التهذيب ما جعله صالحًا كفيلاً بخير الناس. الإسلام عقيدة وشريعة - الطبعة السادسة ١٩٧٢ - دار الشروق ص ۵۰۲ و۵۰۳.
[14] انظر: مقدمة في إحياء علوم الشريعة - صبحي المحمصاني بيروت سنة ١٩٦٢ ص ٤٢ وما بعدها، وله أيضًا: فلسفة التشريع في الإسلام - بيروت سنة ١٩٦١ ص ٣٩ – ٤٠.