من فروع المعرفة وفنون الأدب التي تفرد بها تراثنا العربي والإسلامي فرع سماه الأقدمون “أدب المناظرة” – وهو باب من أبواب العلم عالج به أسلافنا قضيتين نحتاج إليهما أشد الحاجة، ونحن نتناول موضوع حرية الرأى وحدود تلك الحرية وكيفية التوفيق بينها، وبين قيم أخرى تحرص الجماعة على حمايتها وتثبيتها ورد العدوان عنها…
القضية الأولى: تحديد منهج الحوار وتبادل الرأي حول القضايا الخلافية عن طريق وضع عدد من القواعد الموضوعية التي تكفل الوصول بهذا الحوار إلى غايته من تجلية الحقائق، ووزن الاعتبارات المتعارضة، وتمحيص أوجه الخلاف، على نحو يمكن الجماعة -في نهاية الحوار- من الوصول إلى أفضل الحلول المتاحة لمشاكلها.
القضية الثانية: الاتفاق على عدد من «الأداب» التي تتصل بالحوار وسلوك أطرافه، صيانة لكرامة أولئك الأطراف وحفاظًا على الاحترام المتبادل بينهم، بما يشجعهم على مواصلة الحوار وهم آمنون من سهام التجريح وقذائف الاتهام بالباطل، وهى قذائف تغري كثيرًا من أصحاب الرأى بإيثار السلامة، وترك ابداء الرأي والابتعاد عن ساحات الحوار.
ما دام أصحاب الرأي يتعرضون -في غيبة الالتزام بأداب الحوار- لسخائم التعريض والتجريح التي يجيد فنونها من تعنيهم الغلبة والظفر في مبارزات الكلام… أكثر مما تعنيهم خدمة القضايا العامة التي يدور حولها ذلك الحوار…
حرية الفكر والتعبير
ولقد تذكرت هذا كله، وأنا أتابع كثيرًا مما كتب وقيل خلال الشهور الأخيرة. دفاعًا عن حرية الفكر والتعبير … في مناسبة الحكم القضائي الذي صدر بتوقيع عقوبة جنائية على مؤلف كتاب “مسافة في عقل رجل”، وعلى من قام بتوزيعه بعد صدور القرار بمنع تداوله. ذلك أن أول أصول “الحوار” أن يحدد موضوعه أن تحدد -على وجه الدقة- عناصر الخلاف حول ذلك الموضوع.
والسؤال الذي كان ينبغي على الكتاب والمتحاورين أن يطرحوه في مناسبة هذه القضية هو البحث في “تكييف محل النزاع… وهل تضعنا هذه القضية أمام حالة من حالات الحجر غير الدستوري على حرية الرأي… أم تضعنا أمام حالة من حالات “القذف والسب”، التي لم يَدَّعْ أحد قديمًا ولا حديثًا أنها من صور التعبير عن الرأي التي تتسع بالحياة الدستورية والسياسية…
ولقد شغلني هذا السؤال وأنا أتابع الحماس الشديد والانفعال الذي جرت به مناقشة الحكم القضائي الصادر بمعاقبة مؤلف ذلك الكتاب، وكيف افترض أكثر المعترضين على الحكم القضائي، أن ذلك الحكم ينطوي على مصادرة لحرية التعبير ولحق المخالفة والنقد… وأنه بذلك يمثل نكسة خطيرة وينفتح بها باب إرهاب الباحثين والمفكرين والأدباء والنقاد… ويفرض بمقتضاها وصاية على عقول الناس وضمائرهم يمسك زمامها أفراد معدودون من رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية الرسمية…
وبدا لي إزاء ذلك أن الحاجة ماسة إلى إلقاء مزيد من الضوء على جوانب قضية “حرية الرأي” التي اكتسبت في العقل والوجدان العربي مفهومًا «رومانسيًا» غامضًا يهتف الجميع باسمه ويشقون الحناجر صباحًا بشعاراته دون أن يعنوا بدراسة وظائفه الحقيقية في الجماعة، وفى ظل هذا الموقف العاطفي الخالص أمكن لكثير من أصحاب السلطان أن يجوروا على تلك الحرية، كما أمكن لكثير من رافعي شعاراتها أن يسيئوا إليها وأن يجوروا باسمها على قيم وحريات أخرى.
والتوفيق بين حماية حرية الرأى وبين قيم أخرى يحتاج المجتمع إلى حمايتها هي الأخرى، يثير عددًا من أدق مشاكل العلم السياسي والقانون الدستوري، وهي مشاكل سوف تطرح نفسها بمزيد من التعقد على الرأى العام وعلى الجهات القضائية المسئولة عن حماية تلك المبادئ والحريات المتعارضة…
وسنحاول فيما يلي أن نضع بين يدي الباحثين في هذا الميدان عددًا من الحقائق الأولية الكبرى التي تعينهم على إيجاد صيغ مقبولة للتوفيق بين هذه الحريات…
الحقيقة الأولى
إن من المقرر في الفقه الدستوري، والعلم السياسي على السواء، ضرورة الفصل بين حرية الاعتقاد والفكر من ناحية، وحرية التعبير عن الرأى من ناحية أخرى… فحرية الاعتقاد والفكر حرية مطلقة لا سلطان للدولة ومؤسساتها عليها، إذ أن الفكر والاعتقاد أمران مستقران في الفؤاد، مستكنان في العقل والضمير… وما داما لا يخرجان إلى المجتمع من خلال التعبير [عنهما] فلا شأن للقانون بهما، ولا سلطان للدولة على أصحابهما… أما إذا اختار صاحب الفكر والعقيدة أن يخرجهما إلى الناس وأن يعبر عنهما بما يعن له من صور التعبير، فإن نتاج هذه الممارسة يدخل “المجال الاجتماعي” ويلتزم -ضرورة- بقواعده وضوابطه… ومن ثم لا يتصور أن تكون حرية التعبير حرية مطلقة، إذا ليس في السلوك الاجتماعي بصوره المختلفة حرية مطلقة…
الحقيقة الثانية
أن تجارب الأمم والشعوب على اختلاف ثقافاتها ومساراتها التاريخية قد دلت على ضرورة الإفساح لحرية التعبير ومنحها حماية دستورية خاصة… كما دلت على أن هذه الحماية هي وحدها الكفيلة بانطلاق الفكر باحثًا عن الحقيقة ومبدعًا في جنبات الكون … كما دلت في النهاية على أن هذا الانطلاق هو العاصم للجماعة من الزلل، وهو الهادي إلى الرشد، والكفيل بتعلم الناس جميعًا من تجاربهم وأخطائهم، وانطلاقًا من هذه التجارب الطويلة ظهرت في الفقه العام السياسي والدستوري نظرية تذهب إلى أن حرية التعبير تتميز بمركز ممتاز بين سائر الحقوق والحريات… باعتبارها مدخلاً ومفتاحًا لحماية سائر الحقوق والحريات… وبناءً على هذه النظرية ذهبت بعض أحكام القضاء في الولايات المتحدة إلى أنه إذا كان الأصل في جميع التشريعات افتراض أنها متفقة مع نصوص الدستور، ووجود قرينة أصيلة على هذا الاتفاق فإن الأمر يختلف في خصوص التشريعات التي تمس حرية التعبير أو تنتقص منها إذ تقوم قرينة عكسية مؤداها أن هذه التشريعات تخالف الدستور، حتى يتم إثبات توافقها مع الدستور[1].
الحقيقة الثالثة
إن أي قيد تشريعي أو إداري على حرية التعبير من شأنه أن يحدث أثرًا تصاعديًا في الحجر على تلك الحرية؛ ذلك أن من المألوف في السلوك الإنساني أن الفرد يتوسع عادةً في ابتعاده عن دائرة المحظور… ومعنى هذا أن القيد الذي يهدف المشرع من ورائه إلى تضييق مساحة حرية التعبير بمقدار معين، يؤدى في النهاية إلى تقييدها بما يجاوز كثيرًا ذلك المقدار. فإذا ذكرنا أن الإبداع والحوار الجاد حول القضايا العامة يحتاجان إلى توفر أكبر قدر من حرية التعبير لأدركنا خطورة الأثار السلبية التي تترتب على ترخص المشرع وتوسعه في فرض القيود على حرية التعبير.
الحقيقة الرابعة
إنه في مقابل الحقائق الثلاث السابقة فإنه من المسلم به أن هناك صورًا من التعبير لا تحميها الدساتير عادة، ولا القوانين، ما تمنحه لحرية التعبير كأصل عام من حماية دستورية.
ومن هذا النوع على سبيل المثال ألفاظ السب والقذف التي يبلغ مساسها بكرامة الآخرين وسمعتهم وأعراضهم ومشاعرهم مبلغًا يرجح على أي منفعة تعود على الجماعة أو على صاحب الرأي من تعبيره الجارح لكرامة الأخرين… ولهذا لم يخل نظام قانوني من تقرير عقوبات جنائية لجرائم السب والقذف… ولم يقل أحد أن في عقاب مرتكبي هذه الجرائم على حرية التعبير التي يحميها الدستور، ومن هذا النوع كذلك التعبيرات بالقول أو بالصور أو بالكتابة عن معانٍ خادشة للحياء، وهو ما يطلق عليه لفظ “الفحش” “odsenity” أو صور الإثارة الجنسية “Pornography”.
وقد كان من أدق المشاكل التي واجهت المشرعين والقضاة في العديد من الدول وضع الحد الفاصل بين التعبيرات الجنسية التي قد يقتضيها البحث العلمي أو تتطلبها بعض صور الأدب الواقعي، والتي تتمتع بالحماية الدستورية المقررة لحرية التعبير… وبين التعبيرات الفاحشة فحشًا مجردًا لا يخدم شيئًا من الأهداف العلمية أو الأدبية… ولكن المبدأ المستقر في تشريعات عشرات من الدول وفي أحكام محاكمها التي تفسر نصوص دساتيرها هو أن الدستور لا يحمي “الفحش” وأن التعبير الفاحش أو الفاضح لا يدخل في نطاق حرية الرأى.
ولقد عبرت المحكمة العليا الأمريكية عن هذا المبدأ المستقر تعبيرًا دقيقًا وقاطعًا في حكمين أصدرتهما عام ١٩٥٧م، في قضية روث ضد الولايات المتحدة وقضية ألبرت ضد كاليفورنيا، ذاهبة إلى أن جميع الأفكار تتمتع بالحماية الدستورية الكاملة حتى تلك التي لها قدر ضئيل من القيمة الاجتماعية، وتلك التي تعتبر بغيضة في ظل المناخ الفكري السائد… وذلك ما لم تتضمن اعتداء على قيم ومصالح أخرى أولى بالرعاية… ولكن من الثابت والمستقر -في ذات الوقت- رفض التعبير الفاحش بحسبانه تعبيرًا مجردًا من أية قيمة اجتماعية… ولا يتمتع -لذلك– بالحماية الدستورية ومعنى هذا كله -ودون استطراد إلى مزيد من التفاصيل حول تحديد مدلول الفحش- والأبحاث المستفيضة حول أدق المعايير التي يجب على المحاكم أن تستند إليها لتحديد ذلك المدلول – إن هناك صورًا من التعبير لا تحميها الدساتير، ولا يعتبر تقييدها – بالتشريع أو بأحكام القضاء، عدوانًا على حرية التعبير…
ومن هذه الصور كذلك استخدام عبارات وعرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، ومستثار بسبب عرضها على نحو يهدد باختلال الأمن، وهو ما عُرف في الفقه الدستوري باسم مخاطبة الجمهور الرافض hostile audience… ومعنى هذا أن طرح أفكار وتعبيرات تصدم الشعور العام وتستثيره على نحو يهدد بوقوع ردود أفعال تخل بالأمن والاستقرار يمكن أن يكون مدخلاً لتقييد حرية طرح مثل تلك الأفكار والتعبيرات…
فإذا أضفنا إلى ذلك كله فكرة النظام العام والأداب لما تعذر علينا فهم المبررات التي تسمح بتقييد بعض صور التعبير من الرأي…
وفي ضوء الحقائق المتقدمة جميعًا، نستطيع أن نتصدى لوضع الحدود الفاصلة بين حرية النقد وحق مخالفة الأفكار السائدة، وبين صور من التعبير تتجه مباشرة إلى خدش الحياء العام أو إلى تجريح المعتقدات الدينية السائدة تجريحًا لا تقتضيه الضرورات الأدبية والفنية، ولا تكون له أية قيمة اجتماعية هادفة…
ولقد انتشرت خلال السنوات الأخيرة كتابات أدبية وقصصية تنطوي على سخرية بالأديان وتحقير للأنبياء، وتجريح فاحش للرسل بالعبارات الصريحة أحيانًا أو بالرمز الواضح الذي لا يكاد يكون رمزًا أحيانًا أخرى، وعز على النقاد والمحللين أن يجدوا هدفًا -أي هدف- لهذا اللون من التجريح، كما عز على كثير منهم أن يجدوا ضرورة أدبية أو فنية لاستخدام هذه التعبيرات أو تلك الرموز بحيث لم يبق من هذه التعبيرات إلا أنها تمس جمهور الناس في صميم عقائدهم ومقدساتهم، وأنها تجرح شعورهم كما يجرحه اللفظ النابي والصورة الفاضحة الفاحشة.
وأنها لا تبدو لها أية قيمة اجتماعية تبرر استخدامها فهل تتمتع هذه التعبيرات -رغم ذلك كله- بالحماية الدستورية؟! وهل يعتبر منعها أو تقيدها عدوانًا على حرية الرأي يهدد المجتمع المفتوح ويصادر حق النقد، ويؤذن بوصاية شاملة على الأفكار تهدد الإبداع وانطلاق الأفكار وتؤذن بالعودة إلى نظام محاكم التفتيش ورقابة الرقباء الدينيين؟! لا نظن ذلك أبدًا، وما نظن المشرع المصرى قد تخطى حدود الدستور حين قرر في المادة ۹۸ من قانون العقوبات عقاب من استخدم القول أو الكتابة … بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها.
والضمان الحقيقى لكى لا تتحول هذه النصوص إلى قيد ثقيل على حرية النقد والابداع، يتمثل في توصل المحاكم إلى معايير منضبطه تحدد معنى ما اشتمل عليه ذلك النص التشريعي من عبارات، مدخلة في اعتبارها -بمناسبة كل قضية – أن مفهوم الشعور العام، مفهوم متحرك يختلف تقديره من عصر إلى عصر ومن ظرف سياسي واجتماعي إلى ظرف سياسي واجتماعي آخر… وليت المتخصصين من كتابنا وأدبائنا ورجال القانون والسياسة يبذلون من الجهد في وضع تلك المعايير، ما بذله بعضهم في الدفاع عن كتابات أدبية، يعلم أصحابها أنهم تجاوزوا الحدود واقتحموا على الناس -بالعدوان- دائرة المشاعر الدينية والقيم الاعتقادية المستقرة، دون أن تضطرهم إلى ذلك ضرورات خدمة هدف سياسي أو اجتماعي له حد أدنى من القيمة الاجتماعية، وهو الحد الذي يمنحه الحماية الدستورية التي يتمتع بها الحق في التعبير عن الرأى.
إن حرية التعبير تستحق منا جميعًا أن نكون على أعلى درجات اليقظة والشجاعة دفاعًا عنها وتأمينًا لاستخدامها وحرصًا على ألا يستخف أحد بالحماية الدستورية المقررة لها … ولكن هذا كله ينبغي أن يبذل -بغير تراخ ولا تهاون- في الميدان الحقيقي… ميدان التعبير عن الآراء والمواقف السياسية والاجتماعية… أما إثارة المعركة ودخولها بكل أنواع الأسلحة حين يكون الأمر في حقيقته سبًا وقذفًا وعدوانًا على قيم اجتماعية وعقائد مستقره، فليس من الحكمة ولا من حسن السياسة ولا من البطولة في شيء.
* مجلة الهلال، ع: 3، 1 مارس 1992م.
[1] ظهرت هذه النظرية في القضاء الأمريكي للمرة الأولى في عبارة أوردها القاضي ستون، عضوا المحكمة العليا عام ۱۹۳۸ فى قضية Products Careolene.