بحث للدكتور إبراهيم البيومي غانم منشور حديثًا في مجلة الدراسات المقاصدية المعاصرة، في العدد رقم (2) الصادر عام 2023.
ويتعرض البحث لإشكالية تناول “مقاصد الشريعة” بمعزل عن أسئلة الواقع وتحدياته، وكأنها وقعت في أسر بعض النماذج التاريخية، ولا يقتصر هذا الأسر التاريخي على المقاصد فقط، بل طال نظريات أخرى مهمة، مثل نظرية الشورى، ونظرية الإجماع، ونظرية العدالة، وكل هذه النظريات مقصاة عن حقول العلم الاجتماعية والسياسية، ويلقي البحث باللوم على المشتغلين بالعلوم الشرعية وكذلك المشتغلين بالعلوم الاجتماعية، وفيما يلي ملخص البحث، بالإضافة إلى ما سماه الدكتور غانم “فاتحة” البحث وليس خاتمته:
الملخص:
“تهدف هذه الدراسة إلى البحث عن سبل فاعلية نظرية المقاصد من خلال ربطها بالواقع، بالتنبيه على مجموعة من الأعطاب المنهجية على المستوى العلمي والعملي. وقد عرضت الدراسة ثلاث أطروحات لتجديد النظر في موضوع المقاصد؛ الأطروحة الأولى وهي وجوب إعادة هيكلة منظومة المقاصد، ببيان المقاصد المشتركة والعامة كتحقيق الكرامة الإنسانية والحرية وتطبيق العدالة وتحقيق السلم العام. والأطروحة الثانية تتمثل في توسيع مصادر البحث في المقاصد، إذ تظهر الورقة مجموعة من الاختلالات المنهجية مما جعل منظومة “المقاصد العامة للشريعة” نظرية ولا تحقق الأهداف العملية المرجوة منها. أما الأطروحة الثالثة، فهي تحديث الأمثال الشارحة وتجديدها باعتبار المثال أحد أدوات تحرير نظرية المقاصد من المحابس التي وضعت فيها، ومن ثم؛ تدعو الدراسة إلى ربط الأمثلة بالواقع الفعلي، خصوصا الواقع الجماعي والمصالح المشتركة”.
الفاتحة:
“إن كانت الأطروحات الثلاث التي قدمتها فيما سبق واضحة ومقبولة: فهذا غاية ما تمنيته، وما فيه وما إليه سعيت. وإن كانت لا تزال غامضة، كليًا أو جزئيًا، فغاية ما أتمناه أن أتمكن من إيضاحها في مناسبة أخرى، أو أن ينهض آخرون هم أكفأ وأقدر على القيام بهذه المهمة. وفي جميع الأحوال وأيًا كان الاحتمال؛ فإن الحاجة باتت ماسة أكثر من أي وقت مضى لكي ينعم الأصوليون والفقهاء ومعهم المشتغلون بالعلوم الاجتماعية عقولهم في هذا الاتجاه التجديدي، وأن يسعوا لإيجاد مخرج من حالة السكون والثبات التي رانت طويلًا على الدرس المقاصدي. وأن يفندوا الأسباب التي أسهمت في أن تظل بعض الأمثال الشارحة تتكرر هي هي، لأكثر من ألف سنة دون أن يتصدى أحدهم لتحديثها بما يجعلها مستوعبة لوقائع التغير الاجتماعي وتحولاته من حقبة إلى حقبة. وما أثر هذه الظاهرة على فاعلية “منظومة المقاصد العامة للشريعة” وإمكانيات تفعيلها في توجيه الواقع ومعالجة مشكلاته. ثم ما الذي تكشف عنه الوقائع الفعلية لهذه القاعدة عندما وجدت طريقها إلى التطبيق أحققت أهدافها “سدًا وفتحًا”؟ أم لا؟ ولماذا؟ وإذا كان “سد الذرائع” طريقًا من عشر طرق للاجتهاد في تقدير المصلحة في النوازل التي لم يرد فيها بعينها نص: فلماذا آل أمر قاعدة “الذرائع” في الممارسة إلى تغليب “السد”، على “الفتح” فيما يخص العبادات والمعاملات الفردية، وتغييب ما يدخل في “المصالح العامة” مثل الخدمات والمرافق العامة، وأمور السلم والحرب عن متناول الاجتهاد وفق هذه القاعدة ذاتها: اللهم إلا في حالات نادرة، وأين جهود تجديد فقه المقاصد العامة للشريعة من هذا كله؟”.