Print this page

تعــــقيب د. أحمد كمال أبو المجد على بحث “أنظمة الحكم في الوطن العربي” للدكتور يحيى الجمل*

By تشرين1/أكتوير 12, 2023 942 0

من بين الأبحاث العديدة المقدمة في إطار الحوار حول “أزمة الديمقراطية في الوطن العربي” يكاد بحث “أنظمة الحكم في الوطن العربي” ينفرد بتسليط الضوء على شريحة محددة من شرائح البنية المتراكبة في الجسد العربي، وهي شريحة “البناء الفوقي”، ذي الطبيعة الدستورية أو القانون.. وهذا ما يضفي عليه قدرًا من الوضوح قد لا يكون لغيره من الأبحاث التي تنقب في الطبقات التحتية لبنية المجتمعات العربية.

ومع ذلك أبادر فأقول أن “النظم القانونية والدستورية” وإن تكن تعبيرًا عن سائر مكونات البنية الاجتماعية، ونتيجة من نتائج وجود عناصرها المختلفة وتفاعل تلك العناصر، فإنها، فوق ذلك، أداة تأثير وتغيير.. يتحققان من خلال تفاعل جديد بين هذه “البيئة الفوقية” باعتبارها حينئذٍ أحد معطيات الواقع الاجتماعي وبين سائر عناصر البيئة الاجتماعية السابقة عليها منطقيًا وتاريخيًا..

ولهذا، فإن التركيز على ما قد يراه البعض عنصرًا شكليًا أو تابعًا، أمر جائز تمامًا، ومفيد -من الناحية العملية– تمامًا كذلك.. وذلك أن “أنظمة الحكم” بحالتها الراهنة وواقعها القائم، هي من وجهة نظر الفرد وسائر القوى الاجتماعية، “الحقيقة” التي يجرى التعامل معها يوميًا، بغض النظر عن جميع الشروح والتحليلات التي تصف تلك الحقيقة أو تبحث عن جذورها، أو تسعى لتغييرها.

بعد هذه المقدمة التي تتعلق بموضوع البحث أكثر من تعلقها بمضمونه ومحتواه كما حدده الباحث، أنتقل إلى المحتوى نفسه فألاحظ أن البحث حاول أن يبتعد عن تناول أنظمة الحكم القُطرية تناولاً متعاقبًا يتحول معه البحث إلى تجميع وصفي أو تحليل لواقع الأنظمة، وآثر بدلاً من ذلك أن يصنفها على أساس معايير مشتركة.. فبدأ بقوله أن “أقطار الوطن العربي تنتمي كلها إلى ذلك الجزء من العالم يعرف باسم العالم النامى.. أو ما يقال له اصطلاحًا دول العالم الثالث”.

1- والحق أنني لم أعد متاكدًا من دقة هذا التصنيف الذي يرجع -عند التحليل- إلى مكونات متعددة، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي واجتماعي.. وليس من الضروري لذلك أن تتحقق هذه المكونات كلها بدرجة واحدة .. وأن تكون لها –بالتالي –النتائج والآثار نفسها على “نظام الحكم السائد”.. إن “التخلف الاقتصادي” أمر أكثر تحديدًا، وأوضح تأثيرًا على خصائص نظام الحكم. كما أن “التبعية السياسية والاقتصادية” أمر محدد، ويمكن أن ترصد له أثار محددة على نظام الحكم.. ولكن الانتماء إلى “العالم الثالث” بهذا العموم لا يكفي وحده لتوضيح طبيعة خصائص نظام الحكم السائد في كثير من الأقطار العربية.. وقد انتبه الباحث نفسه إلى هذه الحقيقة فلاحظ أن بلاد العالم الثالث تضم أكثر من ثلث دول العالم وأكثر كثيرًا من نصف سكانه، وأنها تستند إلى جذور حضارية متباينة.. وتنتمى إلى أمم شتى “على ذلك فإن الحديث عن الخصائص المشتركة بين هذه البلاد لا يجوز له أن يُخفي عنا حقيقة أخرى وهي أن تلك البلاد يوجد بينها وبين بعضها من الاختلافات أمور كثيرة ومتعددة” .. وأنها لذلك “ليست جميعًا حتى في خصائصها المشتركة- على درجة واحدة”.

لهذا كنت أوثر في الحقيقة ألا يعتبر الباحث الانتماء للعالم الثالث –بهذا العموم– سمة مشتركة بين الأنظمة العربية. 

2 – كذلك لم أعد متأكدًا من دقة استخلاص النتائج العديدة المترتبة على وصف دولة ما بأنها متخلفة، بغض النظر عن الصورة التي يأخذها هذا التخلف.. ذلك أننا إذا سلمنا مع الباحث بأن التخلف الاقتصادي والاجتماعي يقاس بمعيارين أساسيين، يتعلق أولهما بمتوسط دخل الفرد ويتعلق الثاني بتقدم الفنون الإنتاجية، وإذا سلمنا نتيجة لذلك بأن “اقتصادًا قوميًا يتمتع بوفرة الموارد الطبيعية، ولكن تنقصه التكنولوجيا يكاد يكون في الفقر نفسه الذي يعانيه اقتصاد قومي لا تتوفر له هذه الموارد”.

تقول إذا سلمنا بهذا كله، فإن أثر التخلف على “نظام الحكم” يمكن أن يختلف اختلافًا كبيرًا بحسب ما إذا كنا إزاء مجتمع يتميز بضآلة مستوى الدخل على نحو حاد، كما يتميز -فوق ذلك– بغياب العدل التوزيعي غيابًا صارخًا.. وما إذا كنا إزاء مجتمع وفير الموارد.. ولكن تنقصه التكنولوجيا.. ذلك أن وفرة المواد، قد تتيح للأفراد فرصًا كبيرة للتعليم وللأمن الاقتصادي، كما قد توفر للمجتمع كله درجة من درجات الاستقرار السياسي يمكن في ظلها أن تتطور نظم الحكم في اتجاهات لا تسمح بمثلها ظروف مجتمع يتمثل تخلفه أساسًا في النقص الشديد في المواد والهبوط الحاد في متوسط الدخل الفردي.. ويكفي في هذا الصدد أن نقارن ظروف بلد عربي كالكويت بظروف بلد عربي آخر كاليمن، لنرى كيف أمكن في بلد كالكويت يتوفر له عنصر وفرة المواد دون عنصر حيازة الفنون الإنتاجية، أن يقوم نظام للحكم يعتمد على مؤسسات منتخبة، وتمارس فيه درجه معقولة من الحرية، ويشارك فيه الأفراد –مشاركة نسبية بطبيعة الحال– في كل من السلطة السياسية والثروة.. إن من الخطأ تفسير قيام التجربة الديمقراطية في الكويت بتوفر الرخاء الاقتصادي وحده، إذ لو صح ذلك لقامت تجارب مماثلة في سائر الأقطار النفطية المحيطة بها، ولكن من المؤكد –فيما نعتقد– أن غياب “المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الحادة” كان –على أقل تقدير– عنصرًا مهمًا من العناصر التي مكنت من قيام تلك التجربة واستمرارها..

كذلك يربط الباحث ربطا لا نشاركه فيه بين ظاهرة التمزق القومي، وظاهرة عدم الوعي بمفهوم الدولة، وإن كنا لا نعرف على وجه التحديد ما يقصده بغياب الوعي بمفهوم الدولة.. فالتمزق القومي في خصوص “الأمة العربية” إن أُريد به تقسيم الشعب العربي إلى شعوب قطرية على رأسها حكومات قطرية، فنحن معه في أن الوجود الاستعماري قد كان عنصرًا مهما من عناصره ومحركًا نشطًا من محركاته.. ولكن المسألة –فيما نرى– أشد تعقيدًا من ذلك.. وهي ترتبط –في تقديرنا– بمسألتين أخريين:

الأولى: مدى قوة “الشعور القومي” والإحساس بالانتماء المتبادل بين أبناء الأمة العربية.. وما يخضع له هذا الشعور من مد وجزر وهبوط شديدين، وهي مقولة لا يتسع لبسط القول فيها.

الثانية: أن وجود “الشعور القومي”، أو تحقيق “الانتماء القومي” كواقعة تاريخية وحضارية، لا يعنى بالضرورة التوجيه إلى الحركة السياسية الوحدوية.. إننا هنا نميل إلى الفصل بين وجود القومية كحقيقة تاريخية، وبين “التوحد القومي” كاختيار سياسي متمي… كما نؤكد على وجود صور متعددة “للتوحد” القومي، أهمها وجود مشروع حضاري وتنموي ذو أبعاد قومية، ولو قامت على تنفيذه كيانات سياسية مستقلة بالمفهوم الدستوري والقانوني.

أما الذي يسميه الباحث “عدم الوعي بمفهوم الدولة ” فهو –في خصوص الوطن العربي– يتصل بظاهرة أخرى، هي حداثة قيام الدولة نسبيًا، واستمرار المفاهيم القبلية والأسرية في عدد من الأقطار العربية، كما يتصل بظاهرة انتشار الحكم الفردي، الذي تختلط فيه شخصية الحاكم بشخصية الدولة وهو ما سنعود إلى بيان رأينا فيه.

أما التصنيفات الأخرى التي عرضها الباحث وهي تقسيم أنظمة الحكم العربية إلى أنظمة ملكية وأخرى جمهورية، وأنظمة تقدمية وأخرى محافظة، وأنظمة تأخذ بتعدد الأحزاب وأخرى تأخذ بنظام الحزب الواحد.. فلنا عليها ملاحظتان:

الأولى: تتعلق بقيمتها الحقيقية، إذ في تقديرنا أن هذه التقسيمات ليست أكثر من تقسيمات لفظية لا تعبر بحال عن الحقيقة السياسية القائمة.. فأكثر الأنظمة الجمهورية في الوطن العربي هي في حقيقتها أنظمة فردية مطلقة.. والحاكم يضمن فيها استمرار حكمه حتى نهاية حياته، كما يملك –من الناحية السياسية والدستورية- أن يختار خليفته.. ما لم تعصف بهذا الاختيار حقائق سياسية تتعلق بموازين القوى عند موته.. وهي حقائق يمكن أن يقوم مثلها تمامًا في ظل الأنظمة الملكية والوراثية.. وما قيل في هذا يقال عن واحدية الحزب وتعدد الأحزاب تعددًا ظاهريًا، وتضع مقاليد الأمر كله بين يديه، وبذلك لا تكون التعددية إلا شكلاً مفرغًا من مضمونه.. ولعل مما يلفت النظر في هذا المقام، أن النظامين اللذين نصا صراحة على منع نظام الحزب الواحد، أو على مبدأ تعدد الأحزاب هما نظامان ملكيان، النظام المغربي، والنظام الأردني.

الثانية: تتعلق بالأساس الذي اعتمده الباحث لتقسيم أنظمة الحكم إلى تقدمية وأخرى محافظة.. وفي تقديرنا –بادئ ذي بدء- أن هذا التصنيف في المصطلح الجاري والمتعارف عليه سياسيًا هو تصنيف “لتوجهات الأنظمة في الميادين السياسية والاجتماعية” وليس تصنيفًا “لنظام الحكم” نفسه.. فالأنظمة التقدمية هي التي تتبنى سياسات اجتماعية واقتصادية من شأنها تحريك المجتمع نحو إقرار مزيد من العدل الاجتماعي والإفساح للقوى الاجتماعية العاملة على تحقيق هذا العدل والانحياز في السياسة الخارجية إلى القوى الدولية التي تعبر عن الاتجاه نفسه أو تساعد القوى الداخلية على تحقيقه..

أما الأنظمة المحافظة فهي التي ترفض التغيير إبقاءً على علاقات اجتماعية قائمة على الاستغلال، والتي تنحاز داخليًا وخارجيًا للقوى العاملة على بقاء الحال على ما هو عليه في هذه الميادين..

أما مسألة “قابلية النظام للتطوير من داخله” فهي-فيما نرى- أمر متصل بديمقراطية النظام…، أو هي –على التحقيق- معيار ديمقراطيته.. ولعل ما أراد الباحث أن يؤكده ونوافقه عليه –أن الأنظمة الاشتراكية لا يصح أن توصف بالتقدمية إلا إذا اشتملت على عنصر “ديمقراطي” مؤداه إمكان تغيير النظام من داخله.. وتلك إضافة نتحمس لها، ومؤداها أن النظام قد يكون اشتراكيًا ويكون مع ذلك “محافظًا” لأنه لا يسمح بحدوث التطور من داخله.. فكأن الباحث “يتبني” بذلك مدلولاً “للتقدمية” مكونًا من عنصرين: أحدهما متعلق بالمضمون، والآخر متعلق “بالأسلوب”.. وهو اختيار ذاتي نوافق –من جانبنا- عليه..

إن ما تقدم جميعه خاص بالجزء الأول من دراسة الباحث، أما الجزء الثاني منها والخاص “بالسمات المشتركة بين أنظمة الحكم في البلدان العربية”.. فهو –في تقديرنا- أكثر أهمية وأولى بالتعقيب: ويجمع الباحث هذه السمات المشتركة في أمور أربعة هي: المباعدة بين النصوص الدستورية والواقع العملي وعدم رسوخ مفهوم الدولة، وغياب التعددية السياسية، وتقييد الإرادة السياسية نتيجة التبعية السياسية..   

ونحن من جانبنا لا نجادل في وجود هذه السمات في أكثر الأنظمة العربية.. ولكننا نذهب في تصويرها مذهبًا مختلفًا:

  1. نقطة الانطلاق الأولى عندنا أن نظم الحكم القائمة في البلاد العربية ليست ثمرة طبيعية من ثمرات التطور الحقيقي للحضارة العربية، وإنما هي نتاج مولدَّ، بعض عناصره محلية ذاتية، وبعضها الآخر مستنبت في البيئة العربية عن طريق الاستيراد المباشر من الحضارة الأوروبية… وقد تمّ هذا الاستيراد في الأغلب الأعم من الحالات نتيجة الإعجاب بما أنتجته أنظمة الحكم الغربية من ثمرات طيبة في بيئتها الأصلية، فاستقر في ضمير النخبة الحاكمة والنخبة المثقفة على السواء، أن نظام الحكم “الليبرالي” القائم في الدول الأوروبية، بما يقرره من حق الاقتراع العام، وحماية حرية التعبير، والفصل بين سلطات ثلاث تتولى الحكم.. له فضل كبير في تحقيق النهضة الاجتماعية والاقتصادية.. واعتبرت معالم هذا النظام مكونًا أساسيًا من مكونات “التحديث” و”النهضة”.. توافقت على المناداة به سائر التيارات الإصلاحية، دينية كانت أم علمانية..

ولأن أكثر عناصر هذا النظام الدستوري كانت عناصر مستنبتة أو مستوردة من تجارب سياسية واجتماعية معبرة عن روح حضارة مختلفة.. فإن الضمير العربي لم يعن عناية كافية بفهم هذه العناصر، ولم يتفاعل معها تفاعلاً حقيقيًا، ولذلك لم نؤد في معظم الحالات وظائفها الحقيقية.. ولعل هذا أحد الأسباب الكامنة وراء المفارقة بين النصوص الدستورية والواقع العملي، التي يتحدث عنها الباحث.. إن من المُسَّلم به في الفقه الدستوري المقارن أن النصوص الدستورية لا تعبر عادة تعبيرًا كافيًا أو دقيقًا عن حقيقة النظام الدستوري القائم، وأن الظروف الموضوعية والتطورات المتعاقبة التي تمر بها الحياة السياسية والاجتماعية من شأنها أن تباعد قليلاً أو كثيرًا بين النصوص وبين واقع تطبيقها العملي.. ولهذا يتحدثون في الغرب عن المفارقة بين النصوص الدستورية، وما يسميه البعض الدستور الحي (The Living Constitution)([1])… ولكن الظاهرة في الوطن العربي تجاوز هذا كثيرًا.. وهذا التجاوز كما يرجع إلى الانفصال بين أنظمة الحكم وبين تطور مقومات الحضارات العربية، فإنه يرجع إلى ظاهرة عربية أخرى –يختص علماء الاجتماع وعلماء النفس بتفسيرها- وهي ظاهرة “اللفظية” في الحياة العربية وتصور إمكان حلول “الكلمة” محل “الفعل”.. وإقناع “الذات” والآخرين بإمكان هذا “الحلول”.. بمعنى أن الديمقراطية تتحقق في “التصور العربي” إذا تمّ صدور إعلان يقررها، وأن سيادة القانون تكتمل إذا نصت عليها “وثيقة” من الوثائق.. وهذا يفسر تراكم الوثائق والإعلانات في أعقاب “الكوارث” و”النكسات” و”الأزمات”.. كما يفسر حاله إدمان “الخطابة” من جانب بعض الزعامات والقيادات العربية على نحو لا مثيل له في العالم من حولنا ولا في التاريخ من قبلنا..

وبصورة لا يمكن إلا أن يكون تعبيرًا عن مرض مستفحل لدى تلك الزعامات يقابله مرض آخر لدى “المحكومين” يقبلون فيه “الكلمة” بديلاً عن الفعل.. وتسحرهم فيه “الخطبة” أو تُخدرهم إلى حين.. أن هذه الظاهرة العربية “الخاصة” مسؤولة عن تحول الوثائق الدستورية في كثير من الحالات إلى صكوك بغير رصيد.. وتَحَوّل كثيرٍ من المؤسسات القائمة إلى هياكل شبحية مجردة تمامًا من وظيفتها..

2- أما نقطة الانطلاق الثانية فهي أن “السلطة” في المجتمعات العربية لم “تتأسس” أبدًا على نحو كافٍ، بمعنى أن الحكام لا يزالون يتمتعون بقوة فعلية أكبر كثيرًا من “الأطر القانونية والنظامية” التي يعملون في ظلها.. بحيث أن القيود “القانونية” المفروضة على الحكام هي في الغالب قيود ذاتية يخلعونها عن أكتافهم كلما بدا لهم ذلك..

وتلك ظاهرة تحتاج إلى دراسة تفصيلية تحيط بأسبابها، كما تحيط بآثارها ومظاهرها.. وحسبنا أن نشير –مع ذلك إلى بعض الآثار المترتبة على هذه الحقيقة:

  • فمن أهم هذه الآثار أن شخص الحاكم متداخل في وعي جهاز السلطة، وفي وعي الجماهير بشخصية الدولة.. ولهذا فإن الولاء السياسية يظل –في المقام الأول- ولاء لشخص الحاكم الأعلى والخلاف مع شخص الحاكم الأعلى التي تطلق عليه كثير من الأنظمة اسم “القيادة السياسية”!! تجهيلاً لحقيقته وتلاعبًا بالألفاظ والمصطلحات في أمر لا يحتمل التلاعب، هذا الخلاف يصنف على أنه خلاف مع الدولة ونقص في الولاء لها..

ويزيد من خطر هذه الآثار ما تتمتع به السلطة التنفيذية في أكثر الأقطار العربية من نفوذ هائل قوي، يرجع بعض أسبابه إلى ملابسات تاريخية بالغة القدم.. كما تتصل بعض أسبابه بالحاضر أو الماضي القريب.. فأكثر “الرؤساء” أو “الزعماء” العرب ينتحلون لأنفسهم أوصافًا تتصل بالقيادة والزعامة، وما يصاحبها من إلهام وقدرات خاصة تصل إلى حد “القداسة” و”العصمة” والارتفاع فوق احتمالات الخطأ..([2]).

  • ومن آثارها أن الحكام يلازمهم الإحساس بعدم تمتعهم بشرعية حقيقية تؤمن استمرار حكمهم فليجؤون إلى أمرين.. أولهما، ملء المناصب ذات التأثير بأتباع وعملاء وأشخاص ذوي ولاء شخصي مباشر لهم يشكلون -في الغالب- حجابًا حاجزًا بينهم وبين الجماهير كما يشكلون أداة للفساد والإفساد.. نتيجة اضطرار الحكام إلى مواصلة العطاء لهم حفاظًا على ولائهم المشترى..

والأمر الثاني، إقامة أجهزة أمن وقمع متعددة ومتداخلة الاختصاص في معظم الأحيان، وثقيلة اليد على حريات وحقوق الأفراد والأقليات وقوى المعارضة السياسية والاجتماعية.. وهي ظاهرة تقف –بالضرورة- حاجزًا منيعًا في وجه الممارسة الديمقراطية الحقيقية، كما تفرض على المعارضة أن تلجأ إلى الوسائل الانقلابية للتعبير عن رأيها أو كسب الأنصار لمواقفها، أو محاولة التغيير السياسي والاجتماعي..

3- أما نقطة الانطلاق الثالثة، فترجع إلى أن الإرادة السياسية للأنظمة العربية لم تعد إرادة حرة، لا بسبب التبعية الاقتصادية فحسب، وهو عنصر ذكره الباحث ولا اعتراض لنا عليه.. وإنما بسبب تعاظم مصالح القوى الكبرى في الوطن العربي، ووجود قواتها العسكرية قريبًا من أراضي الأقطار العربية ومياهها، أو داخل هذه الأراضي والمياه.. إن هذه الدول الكبرى قد صارت لها مصالح محددة في استمرار أوضاع سياسية معينة، وفي تجنّب حدوث تغيرات سياسية واجتماعية أخرى داخل كل بلد عربي، وهي لا تتورع ولا تتردد كثيرًا في استخدام كل أسلحتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية والعسكرية إذا اقتضى الأمر لتوجيه الأوضاع السياسية في الأقطار العربية الوجهة التي تخدم مصالحها.. ولقد كان عدم الانحياز “صيغة” دفاعية لجأ إليها الوطن العربي، أو بعض قياداته على الأقل لتقليل أثر هذا العنصر الأجنبي.. ولكننا صرنا اليوم في شك عظيم من إمكان تكرار هذه الصيغة على نحو يحقق الفاعلية نفسها.

تبقى لنا في نهاية هذا التعقيب ملاحظتان مهمتان:

الأولى: أن انتشار الحكم العسكري، أي الحكومات العسكرية في الوطن العربي، يشكل أحد مظاهر أزمة الديمقراطية فيها.. ولقد استند هذا الحكم عند قيامه إلى مبررات ثلاثة: الأول، بطء حركة المجتمع في اللحاق بالعالم المتقدم نتيجة عجز الحكم المدني، والثاني، مواجهة التحدي الصهيوني ذي الطابع العسكري، الثالث، مقاومة فساد الأحزاب والفئات السياسية المتصارعة. ولذلك كله ارتبط الحكم العسكري في الوطن العربي بنظام “الحزب الواحد” كمتمم طبيعي لمهمة الإصلاح الثوري السريع والحاسم، التي تصدي لها..

وقد كان من نتائج انتشار الحكم العسكري حدوث شرخ يتعسر إصلاحه في المسار الطبيعي للتطور الديمقراطي كما أن هذا الحكم العسكري قوّى التوجه القائم نحو “الواحدية السياسية”.. وحال دون نمو “التعددية الحقيقية” في الحياة السياسية والاجتماعية.. ولا يزال علينا أن ننتظر اكتمال مسار نمو النخبات السياسية المدنية التي تحاول استرداد مراكز المبادرة والتأثير في الحياة السياسية العربية من بقايا الأنظمة العسكرية التي تدثر أكثرها بشعارات أو بتنظيمات حزبية، يعلم القريب والبعيد أنها هي الأخرى ليست سوى منظمات شبحية تعبر عن إرادة فرد أو جماعة محدودة العدد وصلت في دفاعها عن مواقعها على قمة السلطة إلى طريق مسدود..

الثانية: أن انتشار الفكري الديني الشمولي ذي الطابع المحافظ، من شأنه أن يثير قلقًا إضافيًا حول مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي.. وذلك لأسباب ثلاثة: الأول، أن الفكر الديني –بصفة عامة- فكر شديد الالتزام، قليل الاستعداد لقبول التعددية، وشديد الميل إلى التصنيفات الحدية، وسريع الانتقال من التكفير العقائدي إلى التكفير السياسي.. الثاني، أن التيارات الدينية الغالبة في وطننا العربي تمثل موجة غضب وخوف على الذات، أكثر من تمثيلها موجة انبعاث واعٍ وتنوير حضاري.. وفي إطار الغضب يصعب تصور “التسامح” بصفة عامة، كما يخشى من انتشار الطائفية واضطهاد الأقلية… الثالث، أن التجربة السياسية لأكثر ممثلي التيارات الدينية تجربة محدودة.. وأعضاء تلك التيارات يشتركون مع سائر المواطنين العرب في نقص التربية السياسية ونقص “الوعي” بالحرية كقيمة إنسانية أساسية، بغيرها تهدد عشرات من القيم المتوقفة عليها…

إن الأثر النهائي لانتشار المد الإسلامي، على مستقبل الديمقراطية رهن –فيما نرى- بمصير الصراع داخل التيار الديني بين الروافد المحافظة الغاضبة وغير العقلانية.. وبين الرافد الذي تلوح لنا بعض بشائره والذي يتمتع بإدراك عميق لجذرية المنهج العقلي في التصور الإسلامي.. وإدراك عميق أخير لجذرية “الحرية” كشرط للفضيلة وللمسؤولية.. وتلك قضية تحتاج –بدورها- إلى بحث مستقل، ولكنها -وهذا هو الأهم- تحتاج إلى جهد ثقافي وسياسي لترشيد مسار الوعي الديني المتعاظم.


* نُشر هذا البحث وتعقيب د. كمال أبو المجد عليه في: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، د. سعد الدين إبراهيم وآخرون، ط3، مايو 2002م، ص355- 370، 381- 388.

(1) في الولايات المتحدة على سبيل المثال غيَّر التطبيق العملي كثيرًا من الأوضاع والاختصاصات المبينة في نصوص الدستور الاتحادي، ولذلك وجدنا فقهيًا دستوريًا، مثل برنارد شوارتز، يضع كتابًا عن الدستور الأمريكي يقسمه إلى قسمين، يتحدث في أولهما عن النظام الدستوري كما يُستخلص من النصوص، ثم يتحدث في القسم الثاني في عدة فصول مقابلة لفصول القسم الأول عن التطورات الكثيرة التي طرأت في العمل على مدلول النصوص الدستورية.. وفي خصوص نظام رئاسة الجمهورية نرى باحثًا مثل هيغز (E.J.Hughes) ينشر عام 1972 مؤلفًا بعنوان: The Living Presidency، يستعرض فيه خصائص نظام الرئاسة كما تحددت في العمل.

(2) قارن هذا -على سبيل المثال المجرد- بما ذهبت إليه المحكمة العليا الأمريكية عام 1952 من رفض التسليم لرئيس الولايات المتحدة بحق تقرير استيلاء وزارة التجارة على مصانع الصلب وإدارتها في أعقاب إضراب عمالي واسع النطاق تقرر البدء فيه والدولة متورطة في الحرب الكورية.. إذ حاول الرئيس الاستناد إلى سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة، وإلى مجموع سلطاته الدستورية فرفضت المحكمة هذا المنطق مقررة في حكم شهير لها أن الدستور قد جعل الرئيس قائدًا أعلى للقوات المسلحة ولكنه لم يجعل منه قائدًا أعلى للأمة، وأنه إذا سمح للرئيس بممارسة مثل هذا الاختصاص بعيدًا عن رقابة المحاكم لأصبح الرئيس وليس الدستور هو القانون الأعلى للبلاد.

بحث الدكتور يحيى الجمل “أنظمة الحكم في الوطن العربي” رابط مباشر

تعقيب الدكتور أحمد كمال أبو المجد رابط مباشر

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 28 تشرين1/أكتوير 2023 12:02
موقع حوارات