تتناول هذه الدراسة، التي أعدها الدكتور إسماعيل البريشي** والدكتور معاوية النابلسي***، موضوعًا حيويًا في القضاء الشرعي الأردني، وهو "الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية". تهدف الدراسة إلى تأصيل مشروعية نقض الأحكام القضائية من المنظور الفقهي الإسلامي، وبيان الطبيعة القانونية للمحكمة العليا الشرعية التي استُحدثت حديثًا كأعلى هيئة قضائية في هذا المرفق. ويركز البحث على توضيح أن وظيفة هذه المحكمة تنحصر في تدقيق الأحكام الاستئنافية من حيث سلامة التطبيق القانوني دون الخوض في الوقائع إلا في استثناءات محددة، مما يرسخ مبدأ التقاضي على درجتين ويضمن توحيد الاجتهادات القضائية واستقرار الأحكام.
أولًا: مفهوم الطعن ونقض الأحكام (الإطار المفاهيمي)
استهلت الدراسة بضبط المصطلحات، حيث يُقصد بنقض الحكم في الفقه الإسلامي تبيّن حقيقته وإبطاله واعتباره كأن لم يكن إذا خالف أصوله المشروعة، وهو ما أكدته المذاهب الفقهية الأربعة؛ فالحنفية يرون رد الحكم إذا خالف النص المفسر أو الإجماع، والمالكية بفسخ الخطأ الصراح، والشافعية برد الحكم المبني على اجتهاد خاطئ خالف نصًا أو إجماعًا، والحنابلة بعدم نفاذه في الحالة ذاتها. أما قانونيًا، فالطعن هو الوسيلة الاختيارية التي يسلكها الخصم المتضرر للاعتراض على الحكم بقصد إلغائه أو تعديله.
وعرضت الدراسة طرق الطعن في قانون أصول المحاكمات الشرعية، مميزة بين الطرق العادية وغير العادية:
ثانيًا: مشروعية نقض الأحكام القضائية
ناقش البحث الأدلة الشرعية من المنقول والمعقول التي توجب نقض الحكم إذا خالف نصًا قاطعًا أو إجماعًا، مستدلًا بقوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، وبكتاب عمر بن الخطاب الشهير "مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". وأكد الباحثان أن الحكم المبني على خطأ يعتبر باطلًا لمخالفته مقصود الشارع.
وقد فصَّلت الدراسة حكم النقض في الفقه إلى ثلاث حالات:
ثالثًا: المحكمة العليا الشرعية (المفهوم والنشأة)
تعد المحكمة العليا محكمة قانون وليست درجة ثالثة للتقاضي -كأصل عام-، فمهمتها مراقبة صحة تطبيق القانون وحسن سير الإجراءات دون التدخل في الوقائع أو تقدير البينات. ومع ذلك، قد تنعقد كمحكمة موضوع استثناءً في حالتين: إذا كان موضوع الدعوى صالحًا للحكم واستنفدت المحكمة سبل البحث، أو عند إصرار محكمة الاستئناف على حكمها المنقوض.
وقد بينت الدراسة أن إنشاء هذه المحكمة عام 2016 جاء لضرورات ملحة، أهمها: توحيد الاجتهادات القضائية المتناقضة التي نتجت عن تعدد محاكم الاستئناف، وترسيخ درجات التقاضي، وضمان استقرار الأحكام القانونية، واستنباط المبادئ القضائية. وتتمتع قرارات هذه المحكمة بحجية مطلقة، فهي أحكام باتة وملزمة للكافة ولا يجوز الطعن فيها، إلا أنه يجوز للمحكمة ذاتها الرجوع عن قرارها الشكلي إذا تبين خطؤه، أو العدول عن مبدأ سابق من خلال هيئتها العامة.
رابعًا: الأحكام القابلة للطعن أمام المحكمة العليا
أوضحت الدراسة أن الطعن يُقبل فقط في الأحكام الفاصلة القطعية الصادرة بصفتها الاستئنافية. وقسم الباحثان هذه الأحكام إلى نوعين رئيسين:
وحددت الدراسة إجراءات الطعن بأن يقدم خلال 30 يومًا للأحكام القابلة للطعن مباشرة، وخلال 10 أيام لطلب الإذن. كما منحت النيابة العامة الشرعية حق الطعن لمصلحة القانون في الأحكام التي لا يجوز للخصوم الطعن فيها لتوحيد المبادئ القضائية.
خامسًا: الأسباب القانونية المسوغة للطعن
بينت الدراسة أن الطعن بالنقض طريق استثنائي، لذا يجب أن يؤسس حصرًا على واحد أو أكثر من الأسباب القانونية التالية:
الخاتمة
انتهت الدراسة إلى التأكيد على أن الطعن بالنقض حق مشروع لضمان العدالة، ولكنه مقيد بأسباب حصرية للحفاظ على استقرار الأحكام. وأوصى الباحثان بإخضاع بعض الأحكام الاستئنافية المهمة لرقابة المحكمة العليا وجوبيًا حتى لو لم يطعن بها الخصوم، والنص على قابلية الطعن في أي حكم يخالف مبادئ المحكمة العليا المستقرة.
لتحميل ملف الدراسة (هنا)
* إسماعيل محمد البريشي، معاوية حسان النابلسي، الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية: دراسة فقهية قانونية. المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، 2021، المجلد 17، العدد 4، ص ص 387-417.
** أستاذ الفقه وأصوله- كلية الشريعة- الجامعة الأردنية.
*** قاضي شرعي لدى دائرة قاضي القضاة، دكتوراه في القضاء والسياسة الشرعية/الجامعة الأردنية.