Print this page

حوار حول الأديان وحدود حرية التعبير

By المهندس وجيه دراز والدكتور أحمد كمال أبو المجد تشرين2/نوفمبر 01, 2025 607 0

الأديان واحترام حرية التعبير*

وجيه دراز

في كلمته [مقالته] عن "حرية الرأي واحترام الأديان"[1]، تجاوز الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد عن موضوع مصادرة كتاب «مسافة في عقل رجل» والحكم الصادر بالسجن على مؤلفه وناشره؛ بل ومصادرة مجمع البحوث الإسلامية لعدد من الكتب في معرض الكتاب كما جاء في دعوتكم لسيادته لفتح باب المناقشة في الموضوع. نَحَّى ذلك كله جانبًا بكلمة استخفت بالقضية ومن حُكم عليه بالحبس فيها؛ ولم يقدم لنا سيادته "تكييفه" لمحل النزاع!

فإذا كانت القضية "قذف وسب"، فليقل ذلك صراحة بدلًا من تلميح يجرِّم المحكوم عليه دون أن يلزم القائل! وهل كان ذلك هو نفس تكييف الكتب المصادرة في معرض الكتاب (بصرف النظر عن الرجوع عنه)؟ وقد اختار د. أبو المجد بدلًا من ذلك أن يناقش قضية "حرية الرأي" مناقشة هامة دافع فيها دفاعًا طويلاً عن حرية التعبير: وضرورة إفساح المجال لها، وحمايتها حماية خاصة منعًا من الزلل وهداية للرشد، وأبان ما خصتها بها المحكمة العليا الأمريكية من افتراض أن أي قيد تشريعي عليها يخالف الدستور إلى أن يثبت العكس، خلافًا للأصل من افتراض مطابقة أي قانون للدستور إلى أن تثبت المخالفة. ونبّه سيادته إلى أن أي قيد محدود في البداية يتجه إلى التصاعد مع خطورة الآثار السلبية الناتجة عن التوسع في فرض القيود على حرية التعبير.

واستطرد سيادته إلى بعض صور التعبير التي سلم بأن الدساتير لا تحميها: وضرب مثلا بـ"الفحش" -Obscenity- أو الإثارة الجنسية Pornography التي أخرجها عن نطاق حرية الرأي، ووثق سيادته ذلك -مرة أخرى- استنادًا إلى أحكام المحكمة العليا الأمريكية.

من هذه المقدمات يقفز بنا د. أبو المجد قفزة خطيرة: إذ يرفع الحماية الدستورية عن "استخدام عبارات وعرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، ومستثار بسبب عرضها على نحو يهدد باختلال الأمن"!!! أين هذا التوسع والمنطق البوليسي؟- الذي لم يقدم د. أبو المجد هذه المرة أي توثيق له- من تحذير د. أبو المجد نفسه لنا من تصعيد الحجر على حرية الرأي استنادًا إلى أي قيد يفرض عليها؟؟ ومع تسليمي بأني لست من رجال القانون، إلا أني سأكون في غاية الدهشة إذا قدم د. أبو المجد توثيقًا لما ذهب إليه من المذاهب القانونية الليبرالية الديمقراطية التي استند إليها سيادته في توثيق مقدماته!!

الإخلال بالأمن:

بل كيف تتطور المجتمعات إذا منعنا عرض أفكار معارضة أمام الجمهور الرافض تمامًا لها؟ ألم يُعرض الإسلام في مواجهة "جمهور رافض تمامًا"؟؟ بل وقد أدت الدعوة إلى الإسلام إلى "الإخلال بالأمن" في المجتمع الجاهلي. هل يعني د. أبو المجد أنه كان من الواجب ألا يُعرض الإسلام على جمهور رافض؟؟ ألم يكن الجمهور رافضًا تمامًا لادعاء جاليليو أن الأرض تدور حول الشمس وكان يؤمن بالعكس؟ هل يقر د. أبو المجد قهر الكنيسة لجاليليو وإرغامه على إنكار علمه والارتداد إلى رأي الجمهور؟ إن رفض الجمهور لأية أفكار لا يستوجب منعها، بل الواجب حماية المنادي بها، ودعوة الجمهور للتسامح إزاءها ومناقشتها مناقشة موضوعية للتثبت من صحتها أو خطتها. إني لا أشك في أن د. أبو المجد يقصد شيئًا من ذلك، غير أن تلك هي النتيجة المنطقية لإطلاقه إباحة تقييد أفكار في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، دون تحفظ؛ إذ إنه يعطي بذلك رخصة مفتوحة للمتزمتين الذين يقفون في وجه التطور.

وهنا تعن ملاحظة -وأكرر، أنها ملاحظة شخص من العامة وليس من دارسي القانون- يحسن إثباتها قبل الاسترسال في الرد. يشير د. أبو المجد إلى «ما عرف في الفقه الدستوري باسم مخاطبة الجمهور الرافض- hostile audience». ويخيل إليّ أن الترجمة الأنسب لـ hostile audience هي الجمهور المعادِ. إذ إن «الجمهور الرافض» ترجمة لـ«rejecting audience»، وأعتقد أن فارقًا بين الإثنين. هل تُحمى الجمهور المعادي من المتحدث؟ أم المتحدث من الجمهور المعادي؟

وإذا استأنفنا قراءة د. أبو المجد بعد هذه الملاحظة العارضة نَجد أنفسنا في حيرة! فبينما نجده في فقرة يستبيح فرض القيد على مجرد "عرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا"، دون أي تحفظ؛ نجده في فقرة أخرى يفرق بين "حرية النقد وحق مخالفة الأفكار السائدة، وبين صور من التعبير تتجه مباشرة إلى خدش الحياء العام أو إلى تجريح المعتقدات الدينية السائدة تجريحًا لا تقتضيه الضرورات الأدبية والفنية، ولا تكون له أية قيمة اجتماعية هادفة".. (التشديد من عندي) أين التزيُّد في استباحة تقييد حرية الرأي في الفقرة الأولى من تضييق مساحة التقييد في الثانية إلى درجة التحفُّظ في إطلاق القيد حتى في الحالات الجارحة؟

 

مناقشة التفاصيل:

ولكن مناقشة مثل هذه العموميات لا تساعد على رسم الحدود بين حرية التعبير المباحة التي يحميها الدستور، وما يرى د. أبو المجد إلا حماية له. فإن مثل هذه العموميات لما يصعب الاختلاف عليه، ولكن المحك هو في مناقشة تفاصيل حالات معينة. ولا شك في أن أهلية د. أبو المجد لذلك هي التي دفعت الهلال إلى دعوته لافتتاح المناقشة ولسنا في حاجة لاختلاق حالات افتراضية تُجرى حولها المناقشة، ففي تاريخنا وذاكرتنا القريبة حالات فعلية وقعت فيها مصادرة الكتب باسم الإسلام والفضيلة:

  • «الإسلام وأصول الحكم»: للشيخ علي عبد الرازق.
  • «مقدمة في فقه اللغة العربية»: للدكتور لويس عوض.
  • «أولاد حارتنا»: للأستاذ نجيب محفوظ.
  • «الإسلام السياسي (وكتب أخرى)»: للأستاذ المستشار سعيد عشماوي.
  • «مسافة في عقل رجل»: للأستاذ علاء حامد.
  • «الفتوحات المكية»: لابن عربي.
  • «ألف ليلة وليلة».

إن مناقشة هذه الحالات على اختلاف طبائعها وأسباب منعها ومصادرتها، وما جرى في بعضها من الرجوع عن المصادرة، لكفيل بأن يوضح للرأي العام عامة والمثقفين خاصة أوجه الإباحة والمنع بما يمكنهم من الاشتراك الموضوعي في المناقشة والإسهام في تحديد حدود المنع عَسَى أن تجد سبيلها إلى التشريع آخذين في الاعتبار احتمالات التوسع في التقييد عند التطبيق كما أشار إلى ذلك د. أبو المجد.

وكما تقول الهلال -وبحق- فإن د. أبو المجد العالم بالشريعة والقانون الدستوري ودوره كمفكر إسلامي أحق بأن نسمع له في هذه القضية. ولكن لنسمع الرأي في الحدود والملابسات: لماذا وكيف، ولا نكتفي بمسلمات لا خلاف عليها نقف عندها دون توضيح لحكم أو دفاع عن ظلم. وليس بكافٍ أن يحكم بالعدل، بل يجب أن يرى الناس أن الحكم كان بالعدل، وإلا مثّل ذلك - كما يقول د. أبو المجد- نكسة خطيرة ينفتح بها باب إرهاب الباحثين والمفكرين والأدباء والنقاد، وتفرض بمقتضاها وصاية على عقول الناس وضمائرهم يمسك زمامها أفراد معدودون من رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية الرسمية.

 

حدود حرية التعبير*

(تعقيب على تعقيب)

بقلم د. أحمد كمال أبو المجد

تأكدت بعد قراءة تعقيب المهندس وجيه دراز على كلمتي التي نُشرت في العدد الماضي من الهلال بعنوان «حرية الرأي واحترام الأديان»، من أنني والمهندس دراز نقف من هذه القضية في خندق واحد وهو خندق الحرص على هذه الحرية وتوفير الضمانات لممارستها، والحساسية الشديدة نحو أي قيد يفرض عليها ويقيم "وصاية" على عقول الناس وضمائرهم.

كما تأكدت من صحة ما أشرت إليه من أن المشكلة الحقيقية في حماية حرية التعبير إنما تكمن في صعوبة وضع المعايير التي يعتمد عليها في التمييز بين صور التعبير التي يحميها الدستور والنظام القانوني وبين صور قليلة من صورها لا تستحق أن تتمتع بهذه الحماية.

غير أن المهندس وجيه دراز قد أَفْزَعَه وأقلقه فيما كتبت أمران:

أولهما: ما أشرت إليه من حق المجتمع، في أحوال معينة، من رفع الحماية الدستورية عن استخدام عبارات وعرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، وهو يصف هذا التوسع بأنه "منطق بوليسي"، يعطِي رخصة مفتوحة للمتزمتين الذين يقفون في وجه التطور. ويلاحظ -فوق ذلك- أنني لم أقدم توثيقًا له.

الأمر الثاني: أنه لا يرى فائدة كبيرة من مناقشة مثل هذه العموميات التي اشتمل عليها المقال، إذ إن في تاريخنا وذاكرتنا القريبة حالات فعلية وقعت فيها مصادرة الكتب باسم الإسلام والفضيلة. كما يرى أنني قد تجاوزت في كلمتي موضوع مُصادرة كتاب «مسافة في عقل رجل»، والحكم الصادر بالسجن على مؤلفه وناشره، كما تجاوزت مُصادرة مجمع البحوث الإسلامية لعدد من الكتب في معرض الكتاب.

1 - فأما موضوع الجمهور الرافض أو المعترض أو "المعادي" كما يُؤثِر المهندس دراز أن يسميه، فلا أريد أن أطيل الحديث فيه، لأنه يمثل حالة استثنائية تتعلق بالإخلال بالأمن -Breach of the Peace- أكثر من اتصالها بحدود حرية التعبير. إذ إن ما قد يمنع في إطار ظروف محلية وظرف خاص يمكن أن يباح تمامًا إذا تجردت الملابسات من الاحتمال الراجح بوقوع إخلال بالأمن. وأما توثيق هذا المثال فلم يكن يعنيني لأنني لم أشأ أن أحمل هذا المثال الاستثنائي فوق ما يحتمل أو أن أصرف القراء به عن جوهر البحث، وهو الجوهر المتعلق بحدود حرية التعبير في غير حالات الإخلال المباشر بالأمن والنظام. ومع ذلك فإنني أحيل المهندس دراز إلى أحكام المحكمة العليا الأمريكية التي قررت هذا المبدأ وأهمها الحكم الصادر عام 1951 في قضية فينز ضد نيويورك Feinsr v. New York، وفي هذا الحكم كتب القاضي فرانكفورتر -وهو أحد الحريصين على حماية حرية التعبير- رأيًا مستقلًا قال فيه: حينما يكون السلوك واختلاف نطاق التعبير المسموح به عن الرأي فإن رجال البوليس يكونون حراسًا لأمن المتحدث وأمن السامعين على السواء. على أن سلطة المحافظة الفعالة على النظام لا يمكن تنحيتها بإعطاء المتحدث حصانة مطلقة. (انظر كذلك حكم المحكمة العليا في قضية Kunz v. New York حيث سحبت الإدارة ترخيصًا ممنوحًا للمدعى Kunz بعقد اجتماعات دينية في شوارع نيويورك لأنه تعرض بالإهانة لجماعات دينية أخرى كاليهود والكاثوليك).

2 - وأما إنني لم أتعرض لتفاصيل وملابسات مصادرة كتاب «مسافة في عقل رجل»، وكتب أخرى كانت معروضة في معرض الكتاب فلأنني لم أطلع على نص الحكم الصادر في قضية الكتاب الأول وإنما قرأت الكتاب كما عرفت النصوص القانونية التي استند إليها الحكم وهي نصوص معروفة في قانون العقوبات. فاكتفيت بالتعقيب عليها لأنها تعالج بعض حالات استخدام "التعبير" استخدامًا يقصد به صاحبه إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية... وكان كل ما قررته أن العقاب على مثل هذا الاستخدام لا ينطوي على إهدار للضمان الدستوري المقرر لحرية التعبير. أما أن يكون كتاب بعينه داخلاً في نطاق الحظر التشريعي الذي تتضمنه نصوص العقوبات فتلك مسألة "وقائع" تتحقق منها المحاكم في كل حالة على حدة.

وأما الكتب الأخرى التي جرت مصادرتها من معرض الكتاب كما يقول المهندس دراز فليس في علمي أن منها ما ينطوي على الجريمة التي عالجها في المادة 98 من قانون العقوبات. ولذلك لا أتردد في الدفاع عن حق أصحابها في عرض أفكارهم وآرائهم، مؤمنًا بأن الوسيلة الدستورية السليمة في التعامل معها لابد أن تتم في إطار حرية التعبير ذاتها عن طريق مناقشة العلماء والباحثين وأصحاب الرأي لما جاء فيها.

ولا أزال مع ذلك -في النهاية- مؤمنًا بأن صور التعبير عن الرأي التي تتجاوز عرض الرأي والموقف لتدخل في باب القذف والسب في حق الأشخاص، أو التحقير والازدراء في حق العقائد التي تدين بها الأمة.. مثل هذه الصور لا تتمتع بالحماية الدستورية لأنها "كما قلت" تقتحم على الناس -بالعدوان- دائرة المشاعر الدينية والقيم الاعتقادية المستقرة دون أن تضطر أصحابها إلى ذلك ضرورات خدمة هدف سياسي أو اجتماعي له حد أدنى من القيمة الاجتماعية. ومع التسليم بأن هذا المعيار سيبقى دائمًا معيارًا مرنًا وتقريبيًا، فإن الضمان النهائي الممكن سوف يتمثل دائمًا في قيام القضاء الطبيعي المستقل بتطبيق هذه المعايير بعيدًا -بحكم حياده واستقلاله وتحصنه- عن كل صور الخضوع للإرهاب والابتزاز. ومدخلًا في اعتباره مجموعة القيم الأساسية السائدة التي تمثل: النظام العام والآداب في الجماعة -وهي قيم لا يخلو منها نظام سياسي واجتماعي- ولا يمكن أن تعتبر المحافظة عليها قيدًا ثقيلًا على الحرية يصادر انطلاق الفكر الحر أو يهدد الإبداع الذي ينمو ويزدهر في ظلال الحرية.

لتحميل ملف المقالين

_______________________

* وجيه دراز، الأديان واحترام حرية التعبير، مجلة الهلال، العدد الرابع، 1 أبريل 1992.

[1] سبق أن نشرنا هذه المقالة على موقعنا، يمكنكم الاطلاع عليها عبر هذا الرابط:

https://hewarat.org/index.php/2023-09-21-15-43-50/item/575-2023-10-12-13-29-30

* كمال أبو المجد، حدود حرية التعبير، مجلة الهلال، العدد الرابع، 1 أبريل 1992.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 01 تشرين2/نوفمبر 2025 19:07